قال الشيزري [1] - رحمه الله:
لما كانت الرعية ضروبا مختلفة, و شعوبا مختلفة متباينة الأغراض والمقاصد, مفترقة الأوصاف و الطبائع, افتقرت ضرورة إلى ملك عادل يقوم أودها, و يقيم عمدها, و يمنع ضررها,
و يأخذ حقها و يذب عنها ما أشقها.
ومتى خلت من سياسة تدبير الملك كانت كسفينة في البحر اكتنفتها الرياح المتواترة و الأمواج المتظاهرة قد أسلمها الملاحون واستسلم أهلها إلى المنون. ا. هـ [2]
عندما قدم النبي - صلى الله عليه و سلم - المدينة و شرع في توطيد دولته, كان أول ما فعل بعد مؤاخاته بين المهاجرين و الأنصار أن وادع يهود المدينة و طمأنهم على أنفسهم و أموالهم و أخذ عهدهم و ميثاقهم ليأمن جانبهم.
فهو أول التحركات في الجانب السياسي من الدولة النبوية بتأمينها للجبهة من الداخل من خلال وثيقة التعاون المشترك بينه و بين اليهود حتى يستطيع الصمود أمام عدوان قريش المتوقع
قال ابن القيم - رحمه الله: (و وَادع رسول الله - صلى الله عليه و سلم - مَن بالمدينة من اليهود و كتب بينه و بينهم كتابًا) [3]
و قد ذكر هذا الكتاب ابن هشام عن ابن إسحاق - رحمهما الله - فكان مما جاء فيه: (و إن على اليهود نفقتهم و على المسلمين نفقتهم, و إن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ... و إنه لا تُجَارُ قريش و لا من نصرها و إن بينهم النصر على من دهم يثرب) [4] , و قال السهيلي - رحمه الله:(شرط لهم فيه و شرط عليهم و أمنهم فيه على أنفسهم و أهليهم
و أموالهم) [5]
و المقصود بالتطمين هو الحكم العادل عند التمكين في أي مكان يتواجدون فيه فيكون الكلام مسبوقًا بالفعال, لا سيما مع المحاولات المحمومة لتشويه صورة المجاهدين و
(1) عبد الرحمن بن نصر بن عبد الله الشيزري نسبة إلى مدينة في الشام , كان قاضيًا لطبرية و خطيبًا بها , معاصر لصلاح الدين الأيوبي و له كتب كتاب المنهج المسلوك , و قد توفي عام 589 , انظر إيضاح المكنون 4/ 592.
(2) المنهج المسلوك في سياسة الملوك 1/ 163 - 165.
(3) زاد المعاد 3/ 65.
(4) سيرة ابن هشام 1/ 504 , و في هذا الكتاب رسالة ماجستير بعنوان (الوثيقة النبوية و الأحكام الشرعية المستفادة منها) للباحث د. جاسم العيساوي , و قد جمع أسانيد هذه الوثيقة النبوية و خلص إلى أنها (لا تنزل بمجموعها عن درجة الحسن) ص68.
(5) الروض الأنف 2/ 346.