إبرازهم على أشكال ظالمة متوحشة, مما يجعل عملية تبادل الثقة في حاجة للأمر الواقعي الملموس قبل أي شيء آخر.
و هذا ما حدث لنصارى العراق عندما قاموا بدفع الجزية للدولة الإسلامية بمبادرة طوعية منهم, ثقة و اطمئنانًا لقدرة الدولة على حمايتهم في مناطق تمكينها.
و معالم العدل التي يجب على الدولة الإسلامية الالتزام بها لتحقق العدل المأمور به قد ذكرها بعض أهل العلم في مصنفاتهم و حددها بعضهم بعشرة معالم:
الأول: إقامة منار الدين وحفظ شعائره والحث على العمل به من غير إهمال له ولا تفريط بحقوقه.
الثاني: حراسة البيضة والذب عن الرعية من كل ما يضرهم.
الثالث: عمارة البلدان باعتماد المصالح و تذليل المصاعب.
الرابع: الاهتمام بالنظر لتعدي الولاة و من ينتسب للدولة على الرعية لأن تعديهم منسوب إليها لا محالة.
الخامس: النظر في أحوال الجند و حاجاتهم.
السادس: اهتمام أمير الدولة بكشف المظالم و فصل النزاعات بحكم الشريعة.
السابع: توزيع ما يرد في بيت المال بشكل عادل و وضعه في مصارفه الصحيحة و الاهتمام بذلك.
الثامن: إقامة الحدود على أهل الجرائم بالشرع المطهر على قدر الجريمة.
التاسع: اختيار الولاة و القضاة و نحوهم من أصحاب الكفاءة و الأمانة و الديانة.
العاشر: تنفيذ ما يعجز أهل الحسبة و القضاة عن فعله بقوة السلطة لإقرار أمر الشريعة الواجب خصوصًا مع قوة الجاني و جاهه, ما لم يخالف هذا مصلحة شرعية أعظم. [1]
و إنما تم تخصيص هذا الموضوع بالذكر لأهميته للدولة الإسلامية في محافظتها على التماسك الداخلي الذي يمكّنها من البناء المطرد الذي يقوي شوكتها, و لهذا كانت معاهدة النبي
-صلى الله عليه و سلم - مع اليهود في اتفاقية الدفاع المشترك حول المدينة, مع أنه لا يخفى عليه غدرهم و خبث طويتهم - كما حصل لاحقًا - إلا أن هذه كانت مبررًا و إعذارًا له و لهم
و للناس جميعًا حينما طردهم أو قتلهم.
وهذا ما يبين لنا أهمية الجانب الإعلامي و الحفاظ على السمعة للدولة الإسلامية خصوصًا في بداية نشأتها و التي جاءت صريحة في قوله - صلى الله عليه و سلم - في الحديث الذي أخرجه البخاري و مسلم: (لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) [2] , و هذه قيلت في حق من حاول إشاعة الفتنة لتفريق الناس عن رسول الله - صلى الله
(1) انظر المنهج المسلوك 1/ 250 - 253.
(2) البخاري: باب ما ينهى من دعوى الجاهلية , برقم 3330 , و مسلم برقم: 2584.