وكنت لما آتي إليه ويريد أن يذهب إلى المزرعة يسير أمامي دون قائد بين النخيل والأشجار ذات الأشواك التي يدفعها بيديه، وكانت الأشواك تصيبه فلا يكترث لها، وترى مسير قدميه ظاهرا قد أكلت قدميه بعض أعشاب الأرض من كثرة مروره في ذلك الطريق.
زرته في بيته فقيل هو في المزرعة، وكانت بيت الشيخ في مزرعته، فذهبت أبحث عنه فيها فجعلت أنادي الشيخ .. فلما أجاب فإذا هو في أعلى إحدى النخلات يقوم بتلقيحها، وكانت النخلة على ارتفاع ما يقارب الأربعة أمتار وقد صعد إليها دون ما يسميه الفلاحون عندنا بـ"الْكَرْ"وهو الحبل الذي يُصعد عليه للنخل، والشيخ في ذلك الوقت تجاوز السبعين رحمه الله.
حدثني رحمه الله قائلا: (لما كنت صغيرا كان الصغار من أصدقائي يطلبون مني أن أبين ما أصابه اللون مما لم يصبه من ثمار النخل وكنت حينها قد كف بصري، فكنت أدخل يدي بين الأعذاق وأخرج المتلون منها) .
للشيخ رحمه الله ثلاث وعشرون ولدا وبنتا، أحد عشر ابنا واثنتي عشرة ابنة، فكان رحمه الله يهتم بهم اهتماما بالغا، في ملبسهم ومأكلهم وفي أحوالهم الخاصة، حتى كان رحمه الله يختار لهم أجمل الأسماء وأحسنها، فتجد أسماء أبنائه عبد الله وأديب و عبد الحكيم وعزيز والمثنى وطارق وإبراهيم ووليد ولؤي وإياد ومعن، وحتى بناته رحمه الله كان يتخير لهن أحسن الأسماء وأجملها بل أكثرهن بأسماء الصحابيات، وله أيضا خمسة أبناء غير هؤلاء وقد توفوا - جعلهم الله لأهلهم من الشفعاء - وهم مسلمة وإياس ويزيد وخالد وأحمد.
وكان رحمه الله يتابع الصغار منهم ممن يسكن معه في بيته في الصلاة والصيام وغير ذلك، فكان إذا انتهى من صلاته قال أحاضر فلان و فلان يعني أبناءه الصغار؟ وكان يدرسهم بنفسه، وكان مع كبر سنه وفقده بصره يذهب بهم بنفسه إلى المصحات عند الحاجة، ويتابع معهم العلاج، فرحمه الله وجزاه عنهم خير الجزاء.
وفاته رحمه الله:
توفي فضيلة الشيخ العالم المجاهد حمود بن عقلاء الشعيبي رحمه الله وقد لازمته لعدة سنوات، فكان الشيخ المعلم، والأب الحاني، والأخ البار، والصديق الناصح.