ومن هنا نعلم: أن من الضروري جدا لأجيال الأمة الآن التفريق بين دراسة الآثار العمرانية للأمم البائدة (كالفراعنة، والكلدانيين، والآشوريين، والفينيقيين، واليونان، والفرس، الرومان) ودراسة آثار الحضارة الحية (كالحضارة الإسلامية) ، وذلك كالفرق تماما بين الترجمة لأنسان قد مات من آماد متطاولة لا صلة لنا به سوى ما سطر عنه في القراطيس، وبين شخص لا زلنا نعايشه، ولا يزال يقوم بمهامه في الحياة محتفظا بقواه الكاملة، وإن القيود تمنعه من الحركة المرجوة.
إن الآثار العمرانية الإسلامية لا يمكن التعامل معها بالجفاف العاطفي الذي تُعامل به آثار الأقوام البائدة (رغم التقدير المادي المرتفع جدا الذي تحظى به) ، فالآثار الإسلامية لا تزال بوظائفها - وإن فرطت يد الإهمال والتضييع بكثير منها - وأظهر ما يكون ذلك في المساجد التي تزجر الشريعة الإسلامية عن تعطيلها وصرفها عن وظائفها، وهذا أحد الأسباب الرئيسة في بقاء تلك الأوابد الأثرية، والمحافظة على وجودها المعنوي بل الحسي أيضا، وأما سائر الآثار الإسلامية الأخرى كالقلاع والمارستانات والخانات، فضلا عن المدارس المتنوعة؛ فقد اندثر كثير منها، وأما ما بقي منها فقد تعطلت أغلب وظائفها بعد التغيرات التي حاقت بالعالم الإسلامي، وأمست تلك المعالم الحضارية من جملة التراث الذي أعرض عنه أصحابه، فلا يربطهم به إلا الإعجاب بروعة التخطيط والهندسة وإتقان البناء والزخرفة!
دار الحديث السلطانية بدمشق معلم حضاري متميز، يتصل به الحاضر والماضي، وهو من الآثار الإسلامية التي لا تزال تؤدي بعض وظائفها التي أنشأت لأجلها، وإن كانت تقوى تارة وتضعف تارة، وتنشط مرة وتمرض أخرى.
في دار الحديث الأشرفية درّس أساطين العلماء والأئمة، وفي دار الحديث صنفت كتب عظيمة لا يستغني عنها عالم من علماء الأمة.