الصفحة 3 من 18

ومن دار الحديث انطلقت النهضة العلمية بدمشق في العصر الحديث، وفي دار الحديث سجل التاريخ كثيرًا من مواقف العزة والإباء، وفي دار الحديث خطط شيخها للثورة السورية الكبرى.

دار الحديث الأشرفية شاهد عدل من الشهود الكثيرين على عصر زاهر في دمشق افتتحه الملك العادل نور الدين زنكي رحمه الله تعالى بدخوله دمشق سنة 549 وبنائه كثيرًا من المدارس، ومن أهمها دار الحديث النورية بناها لشيخه الإمام الحافظ ابن عساكر مؤرخ دمشق، وهي أقدم دار حديث في العالم الإسلامي، واستن بسنته الملوك الأيوبيون من بعده، وكان من أشدهم حبًا للعلم وأهله الملك الأشرف مظفر الدين أبو الفتح موسى ابن الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب، والعادل هو شقيق الناصر صلاح الدين ابن أيوب رحمهم الله أجمعين.

اشترى الملك الأشرف دارًا وحمامًا لصارم الدين قيماز جوار قلعة دمشق من جانبها الشرقي، فهدمهما، وأقام مكانهما دار الحديث الملكية الأشرفية الجوانية، ومسكنًا لشيخها بجوارها القبلي، وهي ثاني دار تبنى للحديث في العالم، وتم البناء في سنتين، واحتفل الملك الأشرف بافتتاح دار الحديث في ليلة مباركة، ليلة النصف من شعبان سنة 630, وعهد بتدريسها للإمام الحافظ الحجة أبي عمرو ابن الصلاح الشهرزوري، وهي وقف على المحدثين من الشافعية، وبعد شهر من افتتاحها ورد دمشق استجابة لطلب الملك الأشرف الإمام المسند الكبير الحسين بن المبارك الزبيدي البغدادي، فأنزله الأشرف في دار الحديث فازدحم الناس عليه، وسُمع منه (صحيح البخاري) في أيام معدودة من شهر شوال سنة 630, عاد بعدها الزبيدي إلى بغداد وتوفي بها سنة 631 رحمه الله تعالى.

أما الملك الأشرف فقد وافاه أجله رحمه الله تعالى في قلعة دمشق رابع المحرم سنة 635, وكان آخر كلامه: لا إله إلا الله، ودفن قريبًا من عمه الناصر صلاح الدين، ولا يزال قبره في حديقة الكلاسة يجهله الكثيرون محفوفا بدثار من الإهمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت