ومن مواضع الأولى والآثر كما يقال"كل ما هو أدوم أو أشرف أو أنفع أو أكمل أو أقدم أو أغنى أو ألذ فهو آثر، ومختار الأفاضل، وما يرغب فيه قوم كثير، وما هو تحت جنس أفضل وما يؤدي إلى غاية أسرع وما يفيد خيرًا أكثر وما يفيد خيرًا بالذات والمطلوب بنفسه والمطلوب في وقته وما يصدر عنه فعله الخاص وما يخاف على تلفه أكثر فهو آثر من غيره."
ومن مواضع الجنس هل هو واقع في جواب ما هو؟ وهو يتناول المتفقات فيه تناولًا واحدًا، وهل أورد بدله غيره كفصله أو خاصته، أو عرض من أعراضه؟ مثل قابل الأبعاد، أو المتحرك، أو القائم بالذات بدل الجسم. أو كالمادة مثل الحديد في قولنا:"السيف حديد كذا"أو الفصل كقولنا:"العشق إفراط المحبة"أو النوع كقولنا:"المرض سوء مزاج كذا"أو الانفعال كقولنا:"الهواء حركة الريح"أو الفعل كقولنا:"الماء ما هو مبرد بالطبع"أو غير ذلك، وفي كيفية انقسامه بالفصول، أذاتي أم عرضي؟
وفي الفصل: هل هو كنوع له؟ وهل هو منقسم بجنسين متباينين؟ وهل الجنس مقول على الفصل والفصل على النوع؟ وهل الجنس والنوع في مقولة؟ وهل أحدهما مضاف والآخر غير مضاف؟ وهل ترتفع طبيعة النوع بارتفاعه؟ وهل يحمل الفصل على الجنس حملًا كليًا وبالعكس حملًا ذاتيًا، والنوع على الفصل بالوجهين.
ومن مواضع الخاصة: هل هي مساوية أو أعم؟ أو لاحقة مطلقة أو بشرط؟ وهل أورد غيرها بدلها كالموضوع مثلًا في حمل الإنسان على الكاتب أو الفصل.
وهل هي جيدة؟ - أي بينة يمكن أن يعرف الموضوع بها - وهل هي مميزة تميزًا كليًا أو جزئيًا؟ وهل هي مركبة أم بسيطة؟ وتركيبها من الخواص أو من الأعراض العامة؟ وهل هي للموضوع بحيث لو لم تكن للموضوع لكانت خاصة لغيره، كما يقال للنار أنها أخف العناصر وفي المشهور يجب أن تكون خاصة الأشد أشد، وخاصة الضد ضد الخاصة.
ومن مواضع الحد: هل ألفاظه دالة بسهولة، أم لا؟ وهل هي مطابقة لمعانيها من غير اشتراك أو اشتباه أو إيهام، أم لا؟ وهل فيها فضل على الكفاية أو نقصان عنها، أم لا؟ وهل فيها تكرار غير ضروري ولا نافع - كما في تعريف الاضافيات والأعراض الذاتية - .
وهل يقوم مقام الاسم؟ وهل هو أبين من المحدود وأقدم، أم لا؟ فإن المساوي والأخفى وما يعرف تعريفًا دوريًا ظاهريًا أو خفيًا لا يكون حدًا.
وهل هو مساوٍ للمحدود؟ وهل هو تابع له في مقوليته - مثلًا في كونه مضافًا، أو قابلًا للأشد والأضعف، أو للاستحالة - ؟ وهل حد الضد ضد الحد؟
ويجب أن لا يكون حد الكل نفس الأجزاء، بل حدودها، وأن لا يكون لو أسقط جزء أخلّ بالباقي، وأن لا يجتمع من أجزاء لا تجتمع، كما يقال:"الموجود أما هو فاعل أو منفعل"وأن لا يصبر البسيط بسبب الحد مركبًا.
ومن مواضع الهوهو: هل هما واحد بالمعنى والاسم في اللغات والحد واللوازم والملزومات والمعاندات، أم لا؟ وهل ما هو متحد بأحدهما يتحد بالآخر وكل ما مع أحدهما بالاتفاق فهو مع الآخر، أم لا؟ وهل إذا أضيف إليهما أو نقص منهما شيء بعينه صار المجموعان واحدًا؟ وينتفع في كل واحد من المواضع الخاصة بالمواضع العامة.
فهذه أمثلة المواضع، ولعظم نفعها يسمى كتاب الجدل بكتاب المواضع.
وقد أوصي السائل بأن يعد المواضع ويقدر في نفسه كيفية التوسل إلى تسليم المقدمات من المجيب قبل السؤال، ثم يصرح بالمطلوب بعد ذلك.
وأن لا يبادر إلى تسليم الأهم، بل يتلطف فيه، وليعلم أن تسليمه ممن يدعي الاقتدار في المبادئ وممن يعتاد اللجاج في أواخرها أنجح.
وأن لا يمنع الاستقراء إلا بإيراد النقض، وأن يعلم أن المستقيم أنفع من الخلف، فإن إنكار شناعة ما يقابل المطلوب يضيع السعي في الخلف.
وما يورد السائل حشو قياسه يكون إما للاستظهار في الحجة، أو لإخفاء النتيجة، أو لتفخيم القول، أو لتكلف الإيضاح، والإيضاح يكون بتبديل العبارات وإيراد الأمثلة والاحتجاج بالشواهد والاستعمالات.
والسائل الجيّد من يكون سؤاله عمّا لا محيص عن تسلمه، ويكون قادرًا على البيان - يُلزم بغير المشهور ما لا يلزم غيره فيه بالمشهور.
والمجيب الجيد من لا ينكر المشهور ولا يأتيه الإلزام مغافصة"معارضة - ن".