الصفحة 2598 من 2724

الدنيا، وهو يوم القيامة، فاصبر - أيها الرسول - على تكذيب قومك وأذاهم لك صبرًا لا جزع فيه ولا شكوى.

إنّ الكفار يرون وقوع العذاب وقيام الساعة بعيد الوقوع مستحيلًا، فهم لا يؤمنون به، ونرى أن يوم القيامة والحساب قريب، وإن كان له أمد لا يعلمه إلا الله، يوم تكون السماء مثل بقية الزيت المترسبة في سيلانها وذوبانها، وتكون الجبال مثل الصوف المنفوش في خفَّتها، وفي يوم القيامة لا يسأل القريب قريبه عن حاله بل كلٌ مشغول بنفسه، يبصر القرابة بعضهم بعضًا ويعرف بعضهم بعضًا ولكن لا ينفعه، يود المجرم على نفسه بالكفر والذنوب أن يفتدي من عذاب يوم القيامة بأبنائه لينجو بنفسه مع أنهم أحب الناس إليه، ولن يحصل له ذلك الافتداء، ويود أن يفتدي من العذاب بزوجته وأخيه، ولكن هيهات! ويود أن يفتدي من العذاب بعشيرته التي تضمه وقبيلته وفخذه الذي هو منهم، ويود لو يفتدي من العذاب بجميع من في الأرض من الناس والمال وغير ذلك حتى ينجو من عذاب الله، وهيهات ذلك، لا حصول له على ما تمناه ولْيرتدع عن ذلك، فإنما هو وارد نار جهنم التي تلتهب وتتوقد من شدة حرها، ومن شدة حرها فإنها تنزع جلدة الرأس والبدن والوجه، وتشوي كل شيء فيه بشدة، تدعو النار إليها أهلها ممن جعل الإيمان وراءه وأعرض عن طاعة الله ورسوله، وجمع المال بعضه على بعض في أوعيته ولم يُخرج منه ما أوجب الله عليه فيه.

إنّ الإنسان جُبِل على الهلع؛ وذلك أنه إذا أصابته المصائب اشتدَّ جزعه وقلَّ صبره، وإذا حصل على الخير والنعم من الله، منعها عن غيره وبخل بها فلم يُخرج منها حق الله تعالى الذي أوجبه عليه فيها، إلا الذين أقاموا الصلوات كما شرعها الله - عز وجل - فهم الذين عصمهم الله ووفّقهم لهداه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت