ومن يعتمد على الله ويفوِّض أمره إليه ويثق به فإنه ينصره على عدوه؛ لأن الله عزيز لا يغالب ولا يمانع ولا يضام من التجأ إليه، حكيم في أفعاله لا يضعها إلا في مواضعها فينصر من يستحق النصر ويخذل من هو أهل لذلك.
ولو عاينت - يا رسولنا - حال توفي الملائكة أرواح الكفار لرأيت أمرًا عظيمًا هائلًا فظيعًا فيضربون وجوههم وأدبارهم تعذيبًا لهم وتنكيلًا بهم، ويقولون لهم عند قبض أرواحهم: ذوقوا عذاب النار المحرقة. ذلك الجزاء بسبب ما قدمت أيديكم وعملتموه من الكفر والتكذيب والعناد وصد الناس عن دين الله، وأن الله لا يظلم أحدًا من خلقه، وإنما هؤلاء الكفار هم الذين ظلموا أنفسهم فجوزوا بعملهم.
وعادة كفار قريش كعادة قوم فرعون والذين من قبلهم في الكفر والتكذيب والعناد، ففعلنا بهؤلاء الكفار ما هو عادتنا وسنتنا في أمثالهم من المكذبين من آل فرعون ومن قبلهم فقد أهلكهم الله بسبب ذنوبهم، إن الله قوي شديد العقاب فلا يغلبه أحد ولا يفوته هارب، ذلك العذاب الذي أنزله الله على الأمم المكذبة للرسل، بأنّ سنته في عباده أنه لا يُبدل نعمةً أنعمها على قوم حتى يغيروا هم ما بأنفسهم من إيمان إلى كفر ومن طاعة إلى معصية، ومن استقامة إلى انحراف، فعند ذلك يبدّل الله تلك النعمة بنقمة، فيبدلهم بالأمن خوفًا وبالغنى فقرًا وبالصحة أمراضًا وبالقوة ضعفًا وبالرخاء غلاءً وغير ذلك، وأن الله سميعٌ لأقوال عباده، عليمٌ بأعمالهم لا يخفى عليه منهم شيء وسيجازيهم عليها، وعادة هؤلاء الكفار كعادة قوم فرعون والذين من قبلهم، فكلهم كذبوا بآيات ربهم التي جاءهم بها رسل الله، فأهلكناهم بالعذاب بسبب ذنوبهم وسلبنا آل فرعون تلك النعم التي أسديناها إليهم من جنات وعيون وزروع وكنوز ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين، وبدلناها بالنقم لما غيّروا فأغرقناهم في اليم، وكل أولئك الكفار كانوا ظالمين، وكان إهلاكنا إياهم بسبب ظلمهم وكفرهم.