فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم.
وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوِّهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم، لزمه أيضا الخروج إليهم، فالمسلمون كلهم يدٌ على من سواهم، حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين.
ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضا الخروج إليه، حتى يظهر دين الله وتُحمى البيضةُ وتُحفظ الحوزةُ ويُخزى العدو، ولا خلاف في هذا).
قال الحافظ شرف الدين النووي في: (شرحه على صحيح مسلم) (8/ 63) [1] : ( ... قال أصحابنا: الجهاد اليوم فرض كفاية إلا أن ينزل الكفار ببلد المسلمين فيتعين عليهم الجهاد فإن لم يكن في أهل ذلك البلد كفاية وجب على من يليهم تتميم الكفاية) .
(1) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (ذكر هذا الحافظ النووي في:(المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج) (8/ 63/رقم:1864) عند شرحه لحديث: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا) ، وتمنيت لو نقل الدكتور مظهر كلام الحافظ كاملًا، لأن اللحاق والسباق ضروريان في فهم كلام العالم:"... وهذا دليل على أن الجهاد ليس فرضَ عين، بل: فرض كفاية إذا فعله مَن تَحْصُلُ بهم الكفايةُ سَقَطَ الْحَرَج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم، قال أصحابنا: الجهاد اليوم فرض كفاية إلا أن ينزل الكفارُ ببلد المسلمين فيتعين عليهم الجهاد فإن لم يكن في أهل ذلك البلد كفاية وجب على من يليهم تتميم الكفاية، وأما في زمن النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-فالأصح عند أصحابنا أنه كان أيضًا فرضَ كفايةٍ، والثاني: أنه كان فرضَ عين، واحتج القائلون بأنه كان فرضَ كفايةٍ بأنه كان تغزُو السرايا وفيها بعضُهم دون بعض قوله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-للأعرابي الذي سأله عن الهجرة)."
وقد ذكرت في كتابي: (كيف تصير عالمًا في زمن النت؟) (ص:933) ما نصه: ( ... قال الحافظ النووي في:(المجموع شرح المهذب) (1/ 47) : قال أصحابنا: وفرض الكفاية المراد به تحصيل ذلك الشيء من المكلفين به، أو: بعضهم، ويعم وجوبه جميع المخاطبين به، فإذا فعله من تحصل به الكفاية سقط الحرج عن الباقين، وإذا قام به جمع تحصل الكفاية ببعضهم، فكلهم سواء في حكم القيام بالفرض في الثواب وغيره فإذا صلى على جنازة جمع ثم جمع، ثم جمع فالكل يقع فرض كفاية، ولو أطبقوا كلهم على تركه أثم كل من لا عذر له ممن علم ذلك وأمكنه القيام به، أو: لم يعلم وهو قريب أمكنه العلم، بحيث ينسب إلى تقصير، ولا يأثم من لم يتمكن لكونه غير أهل أو: لعذر ...
واعلم أن للقائم بفرض الكفاية مزيةً على القائم بفرض العين، لأنه أسقط الحرج عن الأمة وقد قدمنا كلام إمام الحرمين في هذا في فصل ترجيح الاشتغال بالعلم على العبادة القاصرة.
-القسم الثالث: النفل وهو كالتبحر في أصول الأدلة والإمعان فيما وراء القدر الذي يحصل به فرض الكفاية، وكتعلم العامي نوافل العبادات لغرض العمل، لا ما يقوم به العلماء من تمييز الفرض من النفل، فإن ذلك فرض كفاية في حقهم. والله أعلم ... ).