ومن عجائب استنباطات ابن القيم-رحمه الله تعالى-في هذه الحادثة ما يمكن الاستفادة منه في واقعنا المعاصر من مراعاة حال البلدان والأقطار ما جاء في: (زاد المعاد) (3/ 267) : ( ... أن رد من جاء من الكفار إلى الإمام لا يتناول من خروج منهم مسلما إلى غير بلد الإمام وأنه إذا جاء إلى بلد الإمام لا يجب عليه رده بدون الطلب فإن النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-لم يرد أبا بصير حين جاءه ولا أكرهه على الرجوع ولكن لما جاؤوا في طلبه مكنهم من أخذه ولم يكرهه على الرجوع
ومنها: أن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام فخرجت منهم طائفة فحاربتهم وغنمت أموالهم ولم يتحيزوا إلى الإمام لم يجب على الإمام دفعهم عنهم ومنعهم منهم وسواء دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه أو لم يدخلوا والعهد الذي كان بين النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-وبين المشركين لم يكن عهدا بين أبي بصير وأصحابه وبينهم وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهد جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوهم ويغنم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد كما أفتى به شيخ الإسلام في نصارى ملطية وسبيهم مستدلا بقصة أبي بصير مع المشركين"."
وبناء على ذلك فلقد قرر الفقهاء أن الجهاد يجب على أهل القطر ابتداء وخاصة في جهاد الدفع قال القرطبي في تفسيره [1] (8/ 151) وقد تكون حالة يجب فيها نفير الكل، وهي: (الرابعة: وذلك إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الاقطار، أو: بحلوله بالْعُقْر، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافًا وثقالا، شبابًا وشيوخًا، كلٌّ على قدر طاقته، من كان له أب بغير إذنه ومن لا أب له، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج، من مقاتل، أو: مكثر.
(1) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (النسخة التي أحال عليها الدكتور من(الجامع لأحكام القرآن) (8/ 151) بتحقيق: أبي إسحاق إبراهيم اطفيش، الطبعة الثانية، سورة التوبة، رقم: الآية:41).