جاء في: (الرحيق المختوم) (ص: 317) : (ولما رجع رسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-إلى المدينة، وأطمأن بها، انفلت رجل من المسلمين، ممن كان يعذب في مكة، وهو أبو بصير رجل من ثقيف حليف لقريش، فأرسلوا في طلبه رجلين وقالوا للنبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-العهد الذي جعلت لنا، فدفعه النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا. فاستله الآخر، فقال: أجل. والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد.
وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذعرًا، فلما انتهى إلى النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-قال: قتل صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير وقال: يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، قال رسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-:"ويل أمه [1] ، مسعر حرب [2] لو كان له أحد"، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة.
فو الله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-تناشده الله والرحم لما أرسل، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-إليهم، فقدموا عليه المدينة"."
(1) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (ذكر الحافظ في:(الفتح) (7/ 488/رقم:2731/ 2732) أنّ: (قوله-صلى الله عليه وآله وصحبه:(ويل أمه) : كلمة ذم تقولها العرب في المدح، ولا يقصدون معنى ما فيها من ذم).
(2) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (ذكر الحافظ في:(الفتح) (7/ 488/رقم:2731/ 2732) أنّ: (قوله-صلى الله عليه وآله وصحبه:(مِسْعَرُ حَرْبٍ) : أي: مشعل نار الحرب مما فعله من قتل الرجل، وقوله: (لو كان له أحد) أنّ: أي: ينصره ويعاضده ويناصره، وفيه إشارة إليه بالفرار لئلا يرده إلى المشركين، ورمزٌ إلى من بلغه ذلك من المسلمين المستضعفين في مكة أن يلحقوا به).