صورة الجهاد ولم نَجْنِ منها إلا التكثر بالأسماء والألقاب والمزاودات بمصطلحات شرعية مع إهمال غيرها وتأمين الغطاء والحصانة للمجرمين ردحًا من الزمن والله المستعان.
إذا فتعدد الأقطار الإسلامية أمر حصل في العصور المتأخرة وقرر العلماء صحة ولاية القائم على ذلك القطر ضرورة وحدود هذا القطر ترجع لمسافة نفوذ حكمه ونحن لا يمكننا أن نتعامل مع الواقع بغير واقعية وهذا لا يعني أن نسلم له لكن مراعاته أمر معلوم من الشرع ريثما ننقل هذا الواقع إلى ما نريد ونرغب، وكلام علمائنا في أقطار قوية وممكنة وسلاطين قادرين فكيف بحال أقطارنا اليوم وقد غاب عنها تحكيم الشريعة مع الضعف وتكالب الأعداء فإذا كان الفقهاء قد اعتبروا القطرية في أمور الولاية والحكم بحيث أسقطوا البعد العالمي الجامع للمسلمين أفلا يصح اعتبار القطرية في ما دون ذلك من أحكام الجهاد للأسباب والحيثيات عينها، ويمكن الاستئناس على ذلك بقوله تعالى، ففي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [1]
فهذه الآية الكريمة تبين أحكام مرحلة من المراحل التي تمر بها الجماعة المسلمة حيث تتم مراعاة حال هذا التجمع ريثما يشتد عوده وفي ذلك يقول صاحب: (التحرير والتنوير) (10/ 87) : (وَعَهْدُهُمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ لا يَتَعَلَّقُ إِلا بِالْمُسْلِمِينَ الْمُتَمَيِّزِينَ بِجَمَاعَةٍ وَوَطَنٍ وَاحِدٍ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، فَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مِنْ دَارِ الشِّرْكِ فَلا يَتَحَمَّلُ الْمُسْلِمُونَ تَبِعَاتِهِمْ، وَلا يَدْخُلُونَ فِيمَا جَرُّوهُ لأَنْفُسِهِمْ مِنْ عَدَاوَاتٍ وَإِحَنٍ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَصْدُرُوا عَنْ رَايِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ) ، ومن تطبيقات هذه الحالة في السيرة النبوية حادثة الصحابي الجليل أبي بصير-رضي الله تعالى عنه-والذي اضطر إلى تشكيل جبهة مستقلة للقتال بعيدًا عن المدينة بسبب شروط صلح الحديبية التي تمنع أن تكون المدينة منطلقًا لعملياته الجهادية فلجأ إلى مكان آخر يجاهد فيه دون أن يسبب الأذى للوطن الإسلامي الناشئ في المدينة.
(1) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (سورة الأنفال، رقم الآية:72) .