فالحركات الجهادية تتقدم مع كل نجاح تحققه من الولاية الخاصة إلى الولاية العامة، فإن لم ترب أفرادها وتفقههم بأسلوب سياسة الأمم وكيفية تحييد الأعداء وتكثير الأصدقاء، ترسخ في أذهانهم أنه لا يكفي في العمل السياسي أن يكونوا محقين في تصرفاتهم من حيث أصل المشروعية بل عليهم أن ينظروا جيدا ما هي المصلحة الراجحة التي تحققها تصرفاتهم وما هي المفاسد التي قد تترتب عليها، ثم تدلهم على سبيل معرفة خير الخيرين وتقدير أخف الضررين فما لم تحصل هذه التربية والتهيئة سيرتكب المجاهدون أخطاء سياسة [1] فادحة تضيع ثمار جهود طويلة وتسهل على العدو اختطاف الحركة على مستوى المقاصد والأهداف الكبرى- ولكن مع الأسف لا يفقه البعض الفرق بين ممارسة السياسة الشرعية للحفاظ على مصالح الدين وبين المداهنة على حساب الدين ويرى البعض الآخرون لغفلتهم عن هذا الباب العظيم من أبواب الدين أنه يجب على المجاهدين أن يقولوا كل كلمة ويقوموا بكل فعل يهيّج عليهم أمم الأرض قاطبة ويزيد من أعداد خصومهم ويقلل من عدد الأصدقاء أو المحايدين، وأن عليهم أن يخاطبوا الناس دائمًا بلغة لا تفقهها إلا شرائح معينة ضيقة من المجتمع وبأسلوب يؤدي إلى تنفير الشعوب منهم وعزل الأمة عنهم ثم يحسبون أن أسلوبهم هذا دليل على صلابة عقيدتهم وصفاء منهجهم ولا يدرون أنه ليس بدليل إلا على قلة عملهم، وضيق أفقهم، وبعدهم عن (الحنيفية السمحة) التي بعث بها النبي الخاتم-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ-واتباعهم سبيل الأمم السابقة التي شددت على نفسها وحملتها آصارًا وأغلالًا مبتدعة ما كتبها الله عليهم فما رعوها حق رعايتها فباءت بهم إلى الهلاك، أعاذنا الله من شرور هذا السبيل المهلك).
ولعل المرء يسأل ما هي العلة في اعتبار الجهاد في أصله قطريًا وخاصة جهاد الدفع و الجواب هي أن تقدير المصالح والموازنات لا يستطيع أن يقوم بها من هو خارج هذا القطر كما أن تحقيق الألفة والانسجام وعدم التنافر مطلوب
(1) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (لعل الصواب:"سياسية") .
(2) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (لا أدري ماذا يقصد أخونا المجاهد الدكتور مظهر بهذا الكلام، إذِ القطرية حقيقة قدرية، وليست مطلبا شرعيًا، ولعله يقصد أن منها ما هو:(شرعي) ، ومنها ما هو: (جاهلي) ، فوجب التنبيه على هذا الأمر).