يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟"، فَسَكَتْنَا فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ:"أَلا رَجُلٌ يَاتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟"، فَسَكَتْنَا فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، فَقَالَ:"قُمْ يَا حُذَيْفَةُ، فَاتِنَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ"، فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا إِذْ دَعَانِي بِاسْمِي أَنْ أَقُومَ، قَالَ:"اذْهَبْ فَاتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ، وَلا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ"، فَلَمَّا وَلَّيْتُ مِنْ عِنْدِهِ جَعَلْتُ كَأَنَّمَا أَمْشِي فِي حَمَّامٍ حَتَّى أَتَيْتُهُمْ، فَرَأَيْتُ أَبَا سُفْيَانَ يَصْلِي ظَهْرَهُ بِالنَّارِ، فَوَضَعْتُ سَهْمًا فِي كَبِدِ الْقَوْسِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْمِيَهُ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ-:"وَلا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ"، وَلَوْ رَمَيْتُهُ لأَصَبْتُهُ فَرَجَعْتُ وَأَنَا أَمْشِي فِي مِثْلِ الْحَمَّامِ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ، وَفَرَغْتُ قُرِرْتُ [1] ، فَأَلْبَسَنِي رَسُولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ-مِنْ فَضْلِ عَبَاءَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ يُصَلِّي فِيهَا، فَلَمْ أَزَلْ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحْتُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قَالَ: «قُمْ يَا نَوْمَانُ» [2] ."
قال النووي في: (شرحه على مسلم) (12/ 145) : (اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي) : هو بفتح التاء وبالذال المعجمة معناه: لا تفزعهم علي ولا تحركهم علي وقيل معناه لا تنفرهم وهو قريب من المعنى الأول والمراد لا تحركهم عليك فإنهم إن أخذوك كان ذلك ضررًا علي لأنك رسولي وصاحبي).
وهذا ما قرره مشايخ الحركة الجهادية كذلك كما قال الأستاذ أحمد فاروق-رحمه الله تعالى-في رسالته:"فلنكن كالنحلة" (ص:8) حيث قال: (نؤكد على أهمية فقه السياسة الشرعية للمجاهدين، ونرى أن الحركات الجهادية تواجه في الغالب أوضاعًا تتطلب منها التعامل مع أقوام متنوعة ودول شتى وشعوب مختلفة، تقتضي التكيّف مع أحوال متقلبة وأحداث متغيرة، ولذا فنرى أنه يجب على المجاهدين وعلى طلبة العلم منهم وعلى أمرائهم-كل منهم حسب مستواه ومسؤوليته وطبيعة عمله-نيل قسط جيد من معرفة أحكام السياسة الشرعية وعلم الضوابط المتعلقة بتحديد الأولويات وتقدير المصالح والمفاسد ففقه الجهاد معظمه فقه مصلحي، مبني على مراعاة المصالح ودرء المفاسد، وكل حركة جهادية لا تحسن هذا الباب المهم من أبواب الدين ولا تتعلم أحكامه فالغالب أنها ستخسر الحرب وتفشل في تحقيق مقاصد الجهاد العظمى حتى وإن حققت النجاح في بعض المعارك هنا وهناك،
(1) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (شعرتُ بالبرد، أي: أنه لما ذهب لقضاء مهمته التي أرسله النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-من أجلها لم يشعر بالبرد، بل: شعر بدفء تام، ولم يشعر بالريح الشديدة كبقية القوم، فلما قضى مهمته، عاد إليه البرد الذي يجده الناس) .
(2) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (رواه مسلم في:(صحيحه) (رقم:1788) كتاب الجهاد والسير، باب: غزوة الأحزاب).