وإلى قولِ المؤرِّخِ ابنُ خلدونٍ (1) في (( مقدمةِ تاريخِهِ ) ): اعلمْ أنَّ فنَّ التَّاريخِ فنٌ عزيزُ المذهبِ، جمُّ الفوائدِ، شريفُ الغايةِ، إذ هو يُوْقِفُنا على أحوالِ الماضينَ من الأُمَمِ في أخلاقِهِم، والأنبياءِ في سيرِهِم، والملوكِ في دولِهِم وسياستِهم، حتَّى تتمَّ الفائدةُ في ذلك لمن يرومُهُ في أحوالِ الدَّينِ والدُّنيا، فهو محتاجٌ إلى مآخذَ متعددةٍ، ومعارفَ مُتنوعةٍ، وحسنَ نظرِ وتَثَبُتٍ؛ يُفْضِيانِ بصاحبِهِما إلى الحقِّ، ويَنْكبَّان به عن الزَّلاتِ والمغالطِ؛ لأنَّ الأخبارَ إذا اعْتُمِدَ فيها على مجرَّدِ النَّقلِ، ولم تُحْكَمْ أصولُ العادةِ، وقواعدُ السِّياسةِ، وطبيعةُ العمرانِ، والأحوالُ في الاجتماعِ الإنسانيِّ، ولا قيسَ الغائبُ منها بالشَّاهدِ، والحاضرُ بالذَّاهبِ؛ فربَّما لم يُؤْمَنْ فيها من العثورِ، ومزلَّةِ القدمِ، والحيدِ عن جادَّةِ الصِّدقِ، وكثيرًا ما وَقَعَ للمؤرِّخينَ، والمفسِّرينَ، وأئمةِ النَّقلِ، المغالطُ في الوقائعِ والحكاياتِ؛ لاعتمادِهِم فيها على مجرَّدِ النَّقلِ غثًا أو سمينًا، لم يعرضُوها على أصولِهِا، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سَبَرُوها بمعيارِ الحكمةِ، والوقوفِ على طبائعِ الكائناتِ، وتحكيمِ النَّظرِ والبصيرةِ في الأخبارِ، فضلُّوا عن الحقِّ، وتأهوا في بيداءِ الوهمِ والغلطِ سيمَّا في إحصاءِ الأعدادِ من الأموالِ والعساكرِ، إذا عرضتْ في الحكاياتِ، إذ هي مظنَّةُ
(1) هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابرالأشبيلي الأصل التونسي القاهري المالكي، أبو زيد، ولي الدين، ويعرف ابن خلدون، من مؤلفاته: (( العبر وديوان المبتدأ والخبر… ) )، و (( شرح قصيدة ابن عبدون الأشبيلي ) )، و (( لباب المحصل في أصول الدين ) )، و (( شفاء السائل لتهذيب المسائل ) )، (732-808هـ) . انظر: (( الضوء اللامع ) ) (4: 145-149) . (( البدر الطالع ) ) (1: 337-339) . (( معجم المؤلفين ) ) (2: 119-121) .