الصفحة 122 من 792

وإلى قولِهِ بعدَ ذكرِ نُبَذٍ من مسامحاتِ المؤرِّخينَ والمفسرينَ: قد زلتْ أقدامُ كثيرٍ من الأثباتِ والمؤرِّخينَ في مثلِ هذه الأحاديثِ والآراءِ، وعَلَقَتْ بأفكارهم، ونَقَلَها عنهم الكافَّةُ من ضَعَفَةِ النَّظرِ، والغفلةِ عن القياسِ، وتَلَقَّوها هم أيضًا كذلك؛ من غيرِ بحثٍ ولا رَوِّيةٍ، واندرجتْ في محفوظاتِهم حتى صارَ فنُّ التَّاريخِ واهيًا مختلطًا، وناظرُهُ مُرْتَبِكَا،ً وَعُدَّ من مناحي العَّامةِ، فإذًا يَحْتاجُ صاحبُ هذا الفَنِّ إلى العلمِ بقواعدِ السِّياسة،ِ وطبائعِ الموجوداتِ، واختلافِ الأُمَمِ والبقاعِ، والأعصارِ في السِّيرِ، والأخلاقِ، والفوائدِ، والنِّحَلِ، والمذاهبِ، وسائرِ الأحوالِ، والإحاطةٍ بالحاضرِ من ذلكَ، ومماثلةِ ما بينَهُ وبينَ الغائبِ من الوفاق، أو بونُ ما بينهما من الخلافِ، وتعليلُ المتَّفِقِ منها، والمختلفِ، والقيامُ على أصولِ الدُّولِ والمِلَلِ، ومبادئ ظهورِها، وأسبابُ حدوثِها، ودواعي كونها، وأحوالُ القائمينَ بها، وأخبارهم؛ حتى يكونَ مستوعبًا لأسبابِ كلِّ حادثٍ، واقفًا على أصولِ كلِّ خبرٍ وحينئذٍ يَعْرِضُ خبرَ المنقولِ على ما عندَهُ من القواعدِ والأصولِ، فإن وافقها (1) وجَرَى على مقتضاها كانَ صحيحًا، وإلا زيَّفه واسْتَغْنَى عنه. انتهى (2) .

ولعلَّكَ تتفطَّنُ من هذا الذي ذكرنا أن ما سوَّدَ به ناصرُكَ الصَّفحاتِ العديدةِ، من (( التَّبصرةِ ) )من آخرِ الصَّفحةِ الثَّامنةِ، إلى الصَّفحةِ الخامسةِ عشرَ ببيانِ مسامحاتٍ عديدةٍ واقعةٍ من علماءِ الأمَّةِ المحمَّديَّة، لا يفيدُ لكم شيئًا، ولا يُجْدي نَفْعًَا، فإنَّا لا نُنْكِرُ وقوعَ المسامحاتِ منَّا وممَّن قَبْلَنا من العلماءِ، لكنْ بَيْنَ أغلاطِكُم وأغلاطِ من سواكُم فرقٌ بَيِّنٌ، لا يَخْفَى على النُّبلاءِ.

(1) في الأصل: (( واقفها ) )، والمثبت من (( مقدمة ابن خلدون ) ) (ص21) .

(2) من (( مقدمة ابن خلدون ) ) (ص21) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت