الصفحة 191 من 792

أقولُ: هذه المقدِّمةُ أيضًا لا تفيدُكَ شيئًا، ولا تعطيكَ رَيْعًَا، فإنَّ ما سطَّرتَ في تصانيفِكَ؛ لاسيما تواريخُ المواليدِ والوفياتِ وغيرها من تراجمِ الثِّقاتِ، ليسَ نَقْلًا بل حتمًا وجزمًا، ولا يُفْهَمُ عندَ ذكرِكَ بنحوٍ من الاتحادِ، وأنَّ هذا منقولٌ من غيرِكَ من العلماءِ، وإن كانَ كلُّ ذلك، أو أكثرُ ذلك مُنْتَحلًا ومسروقًا من غيرك.

فلا ينجو مؤلِّفٌ عن إيرادِ متعقِّبٍ بكونِهِ آخذًا عن غيرِهِ في الواقعِ، أو منتحلًا أو سارقًا عن تصانيفِ غيرِهِ في الواقعِ، ما لم يُفْهَمْ من كلامِهِ بوجهٍ من الوجوهِ المعتبرةِ: أنَّ ما أَذْكُرُهُ لا أجزمُ بِهِ، ولا أعتمدُ بصحَّتِهِ، ولا آمنُ من أن يكونَ مغلطةً، وإنِّي نَقَّالٌ صِرْفٌ، ليس فيهِ منِّي حَرْفٌ، بل كلُّه من غيري، وإنِّي منتحلٌ محضٌ؛ لا التزمُ صحَّةَ ما أذكرُهُ، ولا آمنُ من كونِهِ مصداقَ الغلطِ المحضِ، وشيءٌ منهُ ليسَ من فكرِي.

فإذا كانَ مؤلِّفٌ من المؤلِّفينَ يجعلُ نفسَهُ من النَّقَّالينَ، ويَعُدُّ تحريرَهُ من جنسِ تحريراتِ المغالطينَ؛ أعرضَ عنه أهلِ العِلْمِ، وطَرَحَهُ أهلُ الفَهْمِ، ولقَّبُوهُ بالمُنْتَحِلِ النَّقَّالِ، والسَّارقِ البطَّالِ، ووصفوه بأنَّهُ غيرُ مُعْتَبَرٍ، لا يؤخذُ عنه شيءٌ، ولا يُسْطَرُ، وعابوا عليهِ هذا الفعلَ المُسْتَقَبَحَ، وطعنوا عليهِ بهذا القولِ المُسْتَبْشَعِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت