الصفحة 198 من 792

نقلتَ كلامَهُ بجنسِهِ وجعلتَ مقولَ القولِ مَرامَهُ، لا أَعْني أنَّكَ أردتَ أنَّهُ قولُهُ بعينِ هذا اللَّفظِ، فإنَّ النَّقلَ لا يشترطُ فيه نقلُ اللَّفظِ بل أعمُّ من أن يكونَ هذا اللَّفظُ بعينِهِ تكلَّم بهِ الإمامُ، أو تلفَّظَ بلفظٍ آخرَ متَّحدٍ به في المَرامِ.

وبالجملةِ لا تريدُ بهِ إلا أنَّ قائلَ هذا الذي بعد قال هو أبو حنيفةَ ـ سيِّدُ كلِّ ثقةٍ ـ وأنَّهُ مذهبُهُ، ورأيُهُ، ومقولُهُ، ومرامُهُ.

وهذا هو النَّقلُ الذي لا يُطْلَبُ من صاحبِهِ إلا تصحيحَ النَّقلِ ما لم يجزمْ ثَبْتَهُ، ولم يلتزمْ صحتَهُ.

وإذا قلتَ مثلًا بدونِ الانتسابِ إلى أحدٍ، وأنتَ حنفيُّ: النِّيَّةِ لا تُفْرَضُ في الوضوءِ الشَّرعيِّ، فهو كلامُكَ ومرامُكَ، ليسَ فيهِ نقلٌ من غيرِكَ، ومع ذلك هو منسوبٌ إلى الإمامِ حكمًا، بقرينةِ اتِّباعِكَ له، وتَمَذْهُبِكَ بأقوالِهِ وآرائهِ لُزُومًا.

إذا تمهَّدَ لك فاعرفْ أنَّ المرفوعَ حقيقةً هو ما رفعَهُ الرَّاوي إلى رسولِهِ، ونسبَهُ إليه، وحكاهُ على أنَّهُ قولُهُ، أو فعلُهُ، أو تقريرُهُ، وهو الَّذي يقال له: إنَّهُ نقلَهُ عن رسولِهِ، وحكاهُ عن نَبِيِّهِ.

وأمَّا ما يقولُهُ الصَّحابيُّ الغيرُ الآخذِ عن الإسرائيلياتِ فيما ليسَ من الاجتهاديَّاتِ، فهو موقوفٌ حقيقةً، ومرفوعٌ حُكمًا.

أمَّا كونُهُ موقوفًا حقيقةً فظاهرٌ عندَ مَن له نظرٌ غائرٌ؛ فإنَّهُ قولُهُ ومقولُهُ وكلامُهُ ومرامُهُ، وهو الذي أَفْتَى به وتكلَّم بهِ من دونِ أن ينسبَهُ إلى رسولِهِ، ومن غيرِ أن يجعلَهُ مقولَ غيرِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت