وأمَّا كونُهُ مرفوعًا حُكمًا؛ فلأنَّ إخبارَهُ وحكمَهُ بنحوِ ذلك يَقْتَضي موقِّفًا لهُ على ذلك، فإنَّ المفروضَ أن لا دخلَ للاجتهادِ في ذلك، ولا موقِّفَ للصَّحابةِ إلا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، أو بعضَ كتبِ مَن تقدَّمَ، ومَن تديَّنَ بهِ، وتَمَذْهَبَ بهِ؛ فلذلكَ وَقَعَ الاحترازُ عمَّن يأخذُ عن أحبارِ أهلِ الكتابَيْن، أو يَنْظُرَ الكتابَيْن فحكمُهُ ليس مرفوعًا حكمًا؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ أنَّهُ مأخوذٌ عن الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلَّم جزمًا.
فمعنى كونِهِ مرفوعًا حُكمًا: أنَّ هذا الموقوفَ يُعطى له حُكْمُ المرفوعِ، ويُدْرَجُ في مسانيدِ المرفوعِ، لا أنَّ ما قالَهُ الصَّحابيُّ منقولٌ عن النَّبيِّ صلِّى الله عليه وسلَّم، وأنَّهُ مقولُهُ، لا مقولَ ذلك الصَّحابيِّ الذي أفتى بهِ وتكلَّمَ.
فإنَّ هذا لا يقولُهُ عاقلٌ، فضلًا عن فاضلٍ، ونظيرُهُ ما ذَكَرَ أصحابُنا الحنفيَّةِ (1) : إنَّ المُقْتَدي السَّاكتُ قارئٌ حُكْمًا؛ لكونِ قراءةِ الإمامِ قراءةً له جَزْمًَا، فليسَ معناهُ أنَّ قراءةَ الإمامِ فعلٌ من أفعالِ المؤتمِّ، وأنَّهُ يعدُّ قارِئًا بالجزمِ، بل معناهُ: أنَّه يُعدُّ قارئًا حُكمًا، ويُعْطى له الاشتراكُ في فَضْلِ القراءةِ والكفايةِ حَتْمًا.
(1) مذهب الحنفية أن المؤتم لا يقرأ خلف الإمام، لا في الجهرية، ولا في السِّريَّة. انظر: (( الهداية ) ) (1: 55) ، و (( الوقاية ) ) (ق12/أ) .