الصفحة 223 من 792

وما أحسنّ ما ذكرَهُ النَّوَوِيُّ في (( شرحِ صحيحِ مسلمٍ النَّيْسَابُورِيِّ ) ): قد ذَكَرُ مسلمٌ في هذا البابِ أنَّ الشَّعْبِيَّ روى عن الحارثِ الأعورِ، وشهدَ أنَّه كاذب، وعن غيرِهِ: حدَّثني فلانٌ وكانَ متهمًا، وعن غيرِهِ الرِّوايةُ عن المغفَّلينَ والضعفاءِ المتروكينَ.

فقد يقالُ: لمَ حدَّثَ هؤلاءُ الأئمةُ عن هؤلاءِ، مع علمِهِم بأنَّهم لا يحتجُّ بهم، ويجابُ عنه بأجوبةٍ:

أحدها: أنَّهم رووها ليعرفُوها، ويبيِّنوا ضعفَها لئلا يَلْتَبِسُ في وقتٍ عليهم، أو على غيرهم، أو يتشكَّكَ في صحَّتِها.

الثَّاني: أنَّ الضَّعيفَ يُكْتَبُ حديثُهُ لِيُعْتَبَرَ به، أو يُسْتَشْهَدُ، لا لِيحتجَّ به على انفراده.

الثَّالثُ: أنَّ رواياتِ الرَّاوي الضَّعيفِ يكونُ فيها الصَّحيحُ، والضَّعيفِ، والباطلِ، فيكتبونَها ثمَّ يميِّز أهلُ الحفظِ والإتقانِ بعضَ ذلك من بعضٍ، وذلكَ سهلٌ عليهمِ، معروفٌ عندهم، وبهذا احتجَّ سفيانُ الثَّوريِّ حين نَهَى عن الرِّوايةِ عن الكَلْبِيّ (1) ، فقيل له: أنتَ تروي عنه، فقال: أنا أعرفُ صدقَهُ من كذبِهِ. انتهى (2) .

فَعُلِمَ من هذا أنَّ الأخذَ من ضعيفٍ جائزٌ لمن يميِّزُ بينَ قويٍّ وضعيفٍ، فنقلي عن (( كشفِ الظُّنونِ ) )جائزٌ؛ لأنِّي أعرفُ صدقَهُ من كذبِهِ، وغثَّهُ من سمينِهِ، وصحيحَهُ من سقيمِهُ، وصوابَهُ من غلطِهِ.

(1) هو محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن الحارث بن عبد العُزَّي الكَلْبِيّ الكوفي، أبو النضر، النسابة المفسِّر، قال الذهبي: أجمعوا على تركه، قال ابن حجر: متهم بالكذب، من مؤلفاته: (( تفسير القرآن ) )، (ت146هـ) . انظر: (( تهذيب الكمال ) ) (25: 246-253) . (( التقريب ) ) (ص415) . (( العبر ) ) (1: 206) .

(2) من (( شرح النووي على صحيح مسلم ) ) (1: 125) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت