فهرس الكتاب
وأمَّا أخذُكَ عنه من غيرِ اِمتيازٍ فلا يجوزُ عندَ مَن له أَدْنَى اِمتيازٍ، ويوافقُ ما ذكرنا أنَّ الفقهاءَ جعلوا (( القُنْيَةَ ) )و (( الحاوي ) )من الكتبِ الغيرِ المعتبرةِ، ومع ذلكَ أجازوا النَّقلَ عنهما، وأخذِ ما فيهما بشرطِ أن لا يخالفَ ما فيهما ما في الكتبِ المعتبرةِ، وأباحوا الاعتمادَ على ما فيهما من المسائلِ إذا وافقتْ الأصولَ المعتمدةَ.
وهذا إنَّما يحصلُ لمَن له سعةُ علمٍ ونظرٍ وقوةِ حفظٍ وبصرٍ، فيباحُ له الأخذُ عن مثلِ هذهِ الكتبِ الغيرِ المعتبرةِ، وأما مَن ليسَ له علمٌ ولا فهمٌ، ولا له امتيازٌ بين الحسنِ والشؤمِ، والقومِ والثَّومِ، والهدهدِ والبومِ، ولا له عرفانٌ بصحَّةِ ما فيها، وسقمِها وصوابِها، وخطائها ومعروفِها ومنكرِها.
وجلُّ مقصدِهِ إنَّما هو الجمعُ والتَّرتيبُ، والسَّجْعُ والتأليفُ، من غيرِ التزامِ الصِّحَّةِ، وتمييزِ الثِّقةِ عن غيرِ الثقة فلا يحلُّ له النَّقلُ بكلِّ ما فيها من دونِ تنبيهٍ على ما فيها، ولهذا نظائرٌ أخرُ، لا تخفى على أربابِ التَّبصُّرِ.
وأمَّا قولُهُ: إنَّهُ لم يصرِّحْ أحدٌ من المحقِّقينَ بكونِ (( كشفِ الظُّنون ) )غيرُ معتبرٍ.
فهو عجيبٌ، لا يصدرُ مثلُهُ عن لبيبٍ مُتَبحِرٍ، أما دَرَى أنَّ الكتبَ التي حكموا بكونِها غيرُ معتبرةٍ، ما وَجْهُ كونِها غيرُ معتبرةٍ، وهو موجودٌ في (( كشفِ الظُّنون ) )، فلا يضرُّ حينئذٍ إن لم يصرِّحْ به المحقِّقونَ.
فقد عَلْمَناكَ غيرَ مرَّةٍ:
إنَّ جَهالةَ حالِ مصنَّفٍ.
وجَمْعِهِ لكلِّ يابسٍ ورطبٍ.
وعدمِ امتيازِهِ بينَ باطلٍ وحقٍّ، وكذبٍ وصدقٍ، وصحيحٍ وغلطٍ، وصوابٍ وسقطٍ.
وعدمِ تنقيدِهِ بينَ القولِ المردودِ والمقبولِ، والمطرودِ والمحصولِ.