فهرس الكتاب
أقولُ: فأنتَ لستَ من فرسانِ اليَراعةِ (1) ، ولا من أربابِ البَرَاعةِ، تنقلُ قولَيْنِ متعارضَيْنِ مع العلمِ ببطلانِ أحدهما رأيَ العين، فإنَّ من المعلومِ بداهةً أنَّ اللهَ لا يَجْمَعُ على السَّخاويِّ موتتَيْن، فإنْ ماتَ سنةَ ستِّينَ وثمانمئةٍ، فكيفَ يصحُّ موتُهُ في تسعمئةٍ واثنين؟
والنَّاقلُ كما يلزمُ عليه تصحيحُ النَّقلِ، كذلكَ يلزمُ عليهِ فَهْمُ ما نقلَ؛ فإنَّ نقلَ ما وَجَدَ من دونِ التَّنَبُّهِ لِمَّا فيهِ من المجازفةِ والمعارضةِ، لا يَختارُهُ متعلِّمٌ إلا بجدٍّ، فضلًا عن مَن أوتيَ علمًا، ورُزِقَ فَهْمًَا، وَعدَّ من زُمْرةِ العلماءِ، وأَدْرَجَ نفسَهُ في جُملةِ النُّبلاءِ.
والإيرادُ عليك في هذا المقامِ ألزمُ بالنِّسبةِ إلى الإيرادِ على متبوعِكَ لعدمِ تنبُّهِكَ على معارضةِ قولِكَ في صفحةٍ، بقولِك في صفحةٍ مُتَقارنِةٍ.
وأمَّا صاحبُ (( الكشفِ ) )، فقد ذَكَرَ ما ذكرَ عند ذكرِ (( الابتهاجِ ) ) (2) ، وذكرَ قولًا آخرَ عندَ ذكرِ (( الأجوبةِ ) ) (3) وبينهما فيهِ أوراقٌ عديدةٌ، فيحتملُ أن يكونَ (4) عرضَ لهُ هولٌ أو نسيانٌ، وهو من لوازمِ الإنسانِ.
وأمَّا الذُّهولُ والنِّسيانُ في صحفتَيْن مُتقارَبَتَيْنِ، وعدمِ التَّفَطُّنِ لتعارضِ القولَيْن المتناقضَيْن، فليسَ من لوازمِ الإنسانِ، بل من وَصْفٌ بهِ يُعَدُّ مُغَفَّلًا وخارجًا عن زمرةِ أهلِ الفضلِ والشَّأنِ.
(1) أي القلم. أ. وفي (( المختار ) ) (ص742) : اليَراعة: القَصَبَة.ا.هـ.
(2) في (( كشف الظنون ) ) (1: 2) .
(3) في (( كشف الظنون ) ) (1: 12) .
(4) في الأصل: (( كان ) ).