الصفحة 526 من 792

إذا تمهَّد هذا فاعرفْ أنَّ مَن لم يسلِّمْ نبوَّةً الأنبياءِ، ولا يفهمْ ما أقاموا على نبوَّتِهِم من الحجَّةِ الغرّاءِ، بل يقولُ لمعجزاتِهِ: {هذا سحر مستمّر} ، ولكلامِهِ: أفترى أم به جنونٌ مستقرُّ، لا ينقادُهُ ولا يتَّبعُهُ أبدًا، بل ولا يزالُ يغرقُ في بحارِ الغيِّ خالدًا مخلَّدًا، كما وقعَ من الكُفَّارِ المنكرينَ، والفجَّارِ المكابرينِ، ومَن يتأمَّلُ في أقوالِهِم وأفعالِهِم، وحركاتِهِم وسكناتِهم، ومعجزاتِهِم ودلائلِهِم؛ فيؤمنُ بأنَّهُ نبيٌّ مرسلٌ، وأنَّ ما ينسبُهُ إلى ربِّهِ ليسَ من كلامِهِ بل وحيٌ مُنَزَّلٌ، يَهتدي بسيرِهِم (1) ، ويقتدى بأثرِهِم، لا لأنَّهُ طريقتُهُم وشريعتُهُم، فإنَّهُم مثلُهُم في البشريَّةِ، لا يجبُ على بشرٍ أن ينقادَ لأفعالِهِ الخلقيَّةِ، بل لأنَّ اللهَ بعثَهُم للهدايةِ، وجعلَ طريقتَهُم ناجيةً عن الضَّلالةِ، وأمرَنَا في كلامِهِ المتلوِّ أو غيرِ المتلوِّ باقتدائِهِم، وجعلَ طاعتَهُ مندرجةٌ في طاعتِهِم، فلولا كانَ كذلكَ لم يجبْ انقيادُهُم فيما هنالكَ.

(1) بالكسر جمع سيرة. أ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت