الصفحة 607 من 792

السادس: إنّه لو كفى هذا العذر من أنّ الشعرَ ليس بفتوى المفتي، ولا قضاء القاضي، إنّما هو كلامٌ موزون تفننًا لما وقعَ الأنكار على أشعار الشعراء المشتملة على ما لا يجوز شرعًا، مع أنّه قد وقعَ وشاع فيما بينهم على ما لا يخفي على مَن طالعَ زبرهم. انظر إلى قول القاضي عياض في (( الشفاء ) )في بحث الازدراء بالأنبياء، مع قول أحمد الشهابِ الخفاجيّ في شرحه المسمّى بـ (( نسيم الرياض بشرحِ شفاء عياض ) )، كقول المتنبي، أبو الطيب أحمد بن الحسين الشاعر:

أنا في أمّة تداركها الله

غريبٌ كصالح في ثمود

ونحوه، أي نحو قول المتنبي هذا، وما في معناه ممّا وقعَ في أشعارِ المتعجرفين في القول، والعجرفةُ تجاوز الحدّ والخروج عنه، وارتكاب ما لا يليق من غير مبالاة به المتساهلين في الكلام كقول أبي العلاء المعريّ نسبة لمعرّة النعمان البلدة المشهورة هو أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي:

كنت موسى وآفته بنت شعيب

غير أن ليس فيكما من فقير

على أنّ آخرَ البيت شديدٌ عند تدبّره، وداخلٌ في باب الازدراء والتحقير، وتفضيل حال غيره عليه، وكذلك قوله ـ أي المعرّي ـ من قصيدة له في (( سقط الزند ) )

هو مثله في الفضل إلا أنّه

لم يأته برسالة جبريل

ونحو منه قول الآخر:

وإذا ما رفعت راياته

خفقت بين جناحي جريل

وقول الآخر، من أهل العصر:

فرّ من الخلد واستجار بنا

فصبر الله قلب رضوان

وكقول حسّان المصيصيّ في محمّد بن عبّاد المعروف بالمعتمد على الله، وفي وزيره أبو بكر بن زيدون وابن زيدون:

كان أبا بكر أبو الرضاء

وحسّان حسّان وأنت محمّد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت