الصفحة 619 من 792

وعلى آله، وبلّغه إلى المرتبة الكبرى، فقد أتى بالفرية القصوى، وارتكب جنايةً عظمى، وَلُياتِ منَ يدّعى ذلك بمثالِ يصدّق دعواه ولينادِ شهداءه وأنصاره لاإباتِ فحواه، فإن لم يفعل ولن يفعل فليتّقِ الله النار التي هي مأوى الألدّ الخصم ومثواه.

وذكرتُ الجواب عن الثالث: لإنّ في العبارةِ إيهامٌ أنّ هذه المسائلَ متّفق عليها، ومفتي بها عند الحنفيّة، مع أنّ بعضها ليس كذلك.

قال ناصرك المختفي: ليس في العبارة ما يدلّ على ما ذكرت.

أقول: لا شبهةَ في وجودِ الإبهام، وهو أمرٌ يلزمُ الاجتناب عنه على الكرام، وذكرتُ في الجوابِ عن الثالث: إنّ صفةَ كونه جدليًّا إنّما يذكرونها في أثناءِ مدحه، فكيف يكون المرادُ الجدلِ الذي هو موجبٌ لنقصه، مع أنّه ليس المراد بقولهم: الجدليّ ما توهّمه، بل المرادُ به علمُ الجدلِ والخلاف، وهو من فروع أصولِ الفقه، وداخل تحت المناظرةِ والإنصافِ به من الكمالاتِ الإنسانية، وأيضًا حمل الجدليّ على المتعصّب والمجادلِ مطلقًا يردّه قوله تعالى لنبيّه: {وجادلهم بالتي هي أحسن} .

قال ناصرك المختفي: علمُ الجدلِ والخلافِ الغرضُ منه الزم الخصم، وهو أدلّ دليلٍ على التعصّب.

أقول: ليس إلزامُ الخصمِ مطلقًا دليلًا على التعصّب والتصلب، بل قد يكون الإلزام مقتضي الأنصاف إذا كان الخصم ذا اعتساف، ليبُهتَ ويُقرّ بالصدق، ويزهق السُّحُت، ويظهر الحقّ، ألا ترى إلى ما قصّه اللّه في كتابه بقوله: {الم تر الى حَاجَّ إبراهيم في ربه أن آتاه اللّه الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيى ويميت قال أنا احي وأميت قال إبراهيم فان اللّه يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب فبهت الذي كفر} ، وقد صرّح العلماءُ بأنّ غرضَ المناظرةِ التي تكون لإظهارِ الصواب لا ينافيه معيّة شيء آخر معه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت