الصفحة 76 من 792

وإنِّي بفضلِ اللهِ الغنيِّ في عزلةٍ، وإعراضٌ عن حركةِ أهلِ زماني، وقرضُهم بالمقراضِ، لا أُبالي مَن اعتدى منهم ورَمَاني، ولا أَتْرُكُ إحقاقَ السَّوِيِّ وإن سبَّني خَصْمِي وآذاني، لا أشتغلُ بسبِّهِ وشتمهِ، ولا يسمعُ أحدٌ مِنِّى له ذكرًا، ولا أقولُ في حقهِ بسببِ ذلكِ هُجرًا.

والعجبُ أنَّكَ تدَّعي المُناظرةَ، ولا تتصورُ ما اشْتُرِطَ للمباحثةَ، ولا تعلمُ ما قرَّرتْ لها الأئمةُ، من الآدابِ المُلْتَزَمةِ.

قالَ في (( الآدابِ الباقيةِ شرحُ الشَّريفيّة ) ) (1) : قال الإمامُ الرَّازيُّ (2) : يجبُ على المناظرِ:

أن يحترزَ عن الاختصارِ في الكلامِ عند المناظرةِ؛ كيلا يخلَّ بالفهمِ، وعن التَّطويلِ فيه؛ لئلا يؤدي إلى الإملالِ، وعمَّا لا دَخْلَ له في المقصود؛ كيلا يخرجَ الكلامَ عن الضَّبطِ.

ولا يلزمَ البعدُ عن المطلوبِ، وعمَّن كانَ مَهيبًا مُحْتَرمًا، إذ هيبةُ الخصمِ واحترامُهُ ربَّما يُزِيلُ دِقَةَ نظرِهِ، وَجُودةِ طَبْعِهِ.

وأن لا يستعملْ الألفاظَ الغريبةَ أو المحتملةَ للمعنيين بلا قرينةٍ معيِّنةٍ للمرادِ.

وأن لا يضحكْ، ولا يرفعْ الصَّوتَ، ولا يتكلمْ بكلامِ السُّفهاءِ عند المناظرةِ؛ لأنَّها من صفاتِ الجُهَّالِ ووظائفهم، فإنَّهم يسترونَ بها جهلهم.

(1) الآداب الباقية شرح الشريفية )) لعبد الباقي بن غوث الإسلام الصديقي الجونفوري، صنَّفه سنة (1060هـ) . وله شرح آخر على (( الشريفية ) )يسمَّى بـ (( الأبحاث الباقية ) )، (ت1082هـ) . (( عوارف المعارف ) ) (ص252) . (( نزهة الخواطر ) ) (5: 199-200) .

(2) هو محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التَّيْمِيّ البكري القُرَشِيّ الرَّازِيّ، أبو عبد الله، فخر الدين، من ذرية أبي بكر الصديق، من مؤلفاته: (( تفسير مفاتيح الغيب ) )، و (( المحصول في علم الأصول ) )، و (( معالم أصول الدين ) )، (544-606هـ) .انظر: (( طبقات المفسرين ) ) (2: 213-217) . (( مرآة الجنان ) ) (4: 7-11) . (( النجوم الزاهرة ) ) (6: 197-198) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت