ومهما كان من تساهل بعض الحكام المسلمين ، في تطبيق أحكام الشرع في أحوال أو ظروف معينة ، فلم يكن ذلك خروجًا على الأصل المقرر المسلم به من الجميع ، من وجوب الاحتكام إلى الدين ، ولم يكن هذا التساهل مقبولًا من علماء الأمة .
وقد حقق ذلك الأصل ، التزام الدولة به ، وتمسكها به ، منهج حياة متكاملًا للفرد والمجتمع ، ولم يحدث أن بحثت الأمة الإسلامية قبل العصر الحديث ، عن منهج اجتماعي آخر ، لا يتصل بالإسلام ولا يستمد منه .
وقد وفر ذلك أساسًا فكريًّا ونفسيًّا واحدًا للأمة ، لم يفرض عليها من خارجها ، كما حدث في شعوب كثيرة في العصر الحديث بالذات .
ولكن ضعف الحضارة الإسلامية منذ بداية العصر الحديث ، وبزوغ فجر النهضة الأوربية ابتداء من القرن السابع عشر الميلادي ، حمل إلى العالم الإسلامي ودوله تيارات فكرية وفدت عليه من حضارة تتأهب للسيطرة على العالم ماديًّا وفكريًّا ، وهي حضارة مادية لا تتصل بالملأ الأعلى ، ولذلك اختلفت مفاهيم هذه الحضارة ، اختلافًا جذريًّا عن مفاهيم الإسلام .