إن في إباحته صرف للخطّاب عن التقدم لهذه الفتاة، ويمكن أن يكون بعضهم أفضل من هذا الشخص، ولديه رغبته بها أكثر منه؛ لأن معرفة الآخرين بعلاقة بين رجل وامرأة، فتح باب شر بالكلام في شرف هذه الفتاة وعفتها وغير ذلك.
أنه لا فائدة حقيقية من التصريح به سواء للفتاة أو لغيرها؛ لأنه يفترض أن ينتهي بالزواج، والزواج ما زال في علم الغيب لعدم حدوثه وعدم معرفة نصيب كل منهما، فلا أحد يعلم هذه الأقدار الآتية لهما، فلو أننا جدلًا قلنا أنه لو أخبرها فإنها ستنتظره، فالأولى بدل هذا الإخبار أن يتقدم لخطبتها إن كان صادقًا، فيكون انتظار كل منهما الآخر شرعيًا، أما أن تنتظره حتى يكمل دراسته أو يكوِّن نفسه فتمنع نفسها عن كل مَن يخطبها، فإن فيه ضررًا عظيمًا؛ إذ أنه كما هو معلوم أن للفتاة مرحلة زهو يرغب فيها الناس بها، فإن مضت هذه المدّة قلَّ خطابها، حتى أنها لو رفضت الزواج بسببه دون أي روابط شرعية بينهما ولكن على أمل أن يخطبها فإنها قد تتجاوز سن الزواج، وكثيرًا ما يحصل عوارض تمنع من خطبته لها سواء من أهله أو أهلها أو منه كرؤيته غيرها وإعجابه بها كما أعجب بها، وهذا كثير الوقوع لمن يعايش الناس.
وهذا شيء يسير من الحكم الكثيرة وراء هذا الكتمان، وعليه فيكون معنى الحديث من أعجب أو مال أو اشتاق لطرف من الجنس الآخر، فلم يتحدث بذلك وجعله سرًا بينه وبين خالقه، وابتعد عن هوى النفس في تحقيق رغبتها وشهوتها منه، فصبر واحتسب عند الله تعالى، ولو أوصله شدّة اشتياقه إلى الموت وهو على تلك الحال، فإنه له منْزلة الشهادة عند الله - جل جلاله -؛ لأنه ابتلي فاحتمل وصبر، ولم يجعل أعراض المسلمين عرضة للتفكه والتسلي، ولم يجر وراء نزوات نفسه وطلباتها، فحق له أن يكون من الصادقين عند ربهم.