ومعنى ذلك إن حصل العشق فعلًا من طرف لآخر بغض النظر عن سببه هل كان بسبب قرابة أو جوار أو دارسة أو عمل أو غيره فإنه في هذا الموضع لا يهمنا تفحيص ذلك؛ لأنه يحتاج إلى تفصيل وبيان خاصّ ليس هنا محله، وإنما الذي يهمنا أنه لو حصل هذا، فإن الحديث يرشدنا أن عليه أن يكتم ذلك ويعفّ حتى لو مات كاتمًا عفيفًا فإنه شهيد بذلك، فيا هل ترى ما هو السبب لهذا الكتمان وهذه العفة، ولِمَ نال بها درجة الشهادة؟
يبدو لي والله أعلم أن في الكتمان والعفة إشارة لما سبق أن ذكرناه من شوق وميل وإعجاب كل من الجنسين ببعضهما فلا يعني حصوله هو المجاهرة به والسير في الطرق المحظورة بحجة حصوله، بل هو محض وهم وخيال ينبغي دفعه والابتعاد عنه.
لكنه رغم هذه الإشارة فإنه يقرر جازمًا أن من حصل منه هذا العشق فعلًا فإن عليه أن يكتم هذا؛ لأمور منها:
إنه أمر خفي لا يمكن لأحد أن يطلع عليه، فهو أمر قلبي، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله تعالى، ففي إباحة الإخبار به لعبٌ بمشاعر الناس بما لا يستطيع أحد معرفة صدقه أو كذبه، ودخول في متاهات لا أول لها من آخر.
إنه من باب سدّ الذريعة؛ إذ أن كثيرًا من الناس سيستغلونه في تحقيق مآربهم وشهواتهم الشخصية؛ ويدرك حقيقة هذا من يتابع الواقع الذي نعيشه، فإن من بين عشرات أو مئات قصص الحبّ التي تمارس يمكن أن تصدق واحدة، والباقي هي مجرد تسلية أو لمصلحة شهوانية يقصد تحقيقها.
أن في إباحته تعريض لانتهاك أعراض الناس وسلب لشرفهم؛ إذ أن كثيرًا من الفتيات تسلم نفسها بمجرد الثقة العمياء بمَن أمامها، ولا تدرك أنها أضحوكة بيد مَن تخصصوا بالاصطياد واللعب.
أن في إباحته تعليق لطرف بآخر، ممكن أن تكون هناك عوائق ـ ليس هنا محل ذكرها ـ تحول بين زواجهما، مما يجعل حسرة وندمًا وفجعًا في القلب على ذلك، يؤدّي إلى تعاسة وتنغيص في حياة كل منهما مع من كان من نصيبه.