وللإمام الغزالي تقسيم لطيف في المحبوبات وغيرها؛ إذ يقول في (( الإحياء ) )4: 313-314: (( المدركات في انقسامها تنقسم إلى ما يوافق طبع المدرك ويلائمه ويلذه، وإلى ما ينافيه وينافره ويؤلمه، وإلى ما لا يؤثر فيه بإيلام وإلذاذ، فكل ما في إدراكه لذة وراحة فهو محبوب عند المدرك، وما في إدراكه ألم لهو مبغوض عند المدرك، وما يخلو عن استعقاب ألم ولذة لا يوصف بكونه محبوبًا ولا مكروهًا، فإذن كل لذيذ محبوب عند الملتذ به، ومعنى كونه محبوبًا أن في الطبع ميلًا إليه، ومعنى كونه مبغوضًا أن في الطبع نفرة عنه، فالحب عبارة عن ميل الطبع إلى الشيء الملذ، فإن تأكد ذلك الميل وقوي سمي عشقًا، والبغض عبارة عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب، فإذا قوي سمي مقتًا، فهذا أصل في حقيقة معنى الحبّ لا بد من معرفته ) )
فما يظهر على أحدنا من هذه الأحوال نحو الطرف الآخر هو موافق للفطرة، لا لأنه يتبادل معه شعورًا يفقده الآخرون، حتى لو ترك الخيالات التي توحيها المسلسلات والأفلام والأغاني وعاش على سجيته من تقرير لهذا الواقع، فإنه سيجد أن هذا الشعور متجدّدٌ لديه لدى أطرف كثيرة يراها ويسمعها.
وهذا لا يلغي تفاوت توفر هذه الأمور ما بين شخص وآخر، وإنما أردنا تقرير أنها موجودة بصورة عامة بين الجنسين، فإذا أعجب أحد الجنسين بالآخر ومال إليه بدرجة عالية، فهل يجوز له مصارحته بهذا الأمر؟
إننا لو طرحنا هذا التساؤل على مجموعة من أهل عصرنا لوجدنا بينهم اختلافًا عجيبًا في الإجابة بين موافق ومعارض، فكل يجيب على حسب ثقافته وبيئته وتربيته، لكن الشارع الكريم أراحنا من عبء هذا الاختلاف، ورجّح لنا أحد الجانبين، فقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (مَن عَشِقَ وكتم وعفّ ومات، فهو شهيد) [ أفرد الحافظ السيد أحمد الصديق الغماري هذا الحديث بكتاب خاص في إثباته سمّاه: درء الضعف عن حديث من عشق فعفّ] .