إنّ الله يعْلم حقّ العلْم الذين يقومون بتثْبيط همم النّاس عن القتال والثّبات مع رسول الله، ويصْرفونهمْ عنْ شهود الحرب معه، ويعْلم الذين يقولون لأصْحابهمْ وعشرائهمْ: أسْرعوا إلينا، وأقبلوا على ما نحْن فيه منْ طيب المقام في الظّلال والثّمار (هلمّ إلينا) ،وهمْ لا يحْضرون إلى معْسكر المسْلمين إلا وقْتًا قصيرًا يثْبتون فيه وجودهم أمام النّاس، ثمّ يخْتفون متسلّلين إذا غفل النّاس عنْهمْ.
وهمْ بخلاء شحيحون، لا يمدّون المؤْمنين بالنّفقة والمال، ولا يقدّمون لهم العوْن والنّصْرة بالنّفْس. فإذا بدأت الحرْب، والتحم المقاتلون رأيْتهمْ وقد اعْتراهم الخوْف والهلع ينْظرون إليك يا محمّد وأعْينهمْ تدور خوْفًا وفرقًا، كدوران عيْن الذي غشيه الموْت، وقرب منْه، فتجْمد عيْنه ولا تطْرف.
أمّا إذا ذهب الخوْف وأسْبابه، وعاد الأمْن إلى النّفوس، فإنّهمْ يرْفعون أصْواتهمْ، ويتكلّمون عن النّجْدة والشّهامة، والبطولات التي أظْهروها في ميدان المعْركة، وهمْ في هذا كاذبون. وإذا ظهر المؤْمنون في الحرْب فهمْ بخلاء حريصون على ألاّ يفوتهمْ نصيبٌ من المغانم، فهمْ حين البأس جبناء، وحين الغنيمة أشحّاءٌ (وقيل بل المعْنى هو: فإذا ذهب الخوْف بالوا في شتْمكمْ وذمّكمْ بألْسنةٍ حدادٍ مشْحوذةٍ قاطعةٍ) .