الصفحة 18 من 43

يمكن لأي ثوري أو مجاهد أو معتقد به أو مناصر له أن يرى في"القاعدة"كتنظيم مسلح واحدا

من أشد التعبيرات غموضا في العصر الراهن. وحتى الباحث سيجد نفسه، للوهلة الأولى، إزاء أطروحة غير محددة المعالم إطلاقا ولا من أية زاوية. فلسنا إزاء حزب سياسي له جناح عسكري، ولا تنظيم سري أو علني يمكن الوقوف على الهياكل التنظيمية المكونة له من قيادات وأفراد ومؤسسات وجغرافيا للعمل، ولا أيديولوجيا معينة ولا جهاز مالي ولا أهداف محددة مرحليا أو استراتيجيا، ولا منظومات اتصال معروفة جزئيا أو كليا. حتى أبو مصعب السوري توقف عن التعرض لتجربة تنظيم القاعدة بعد صفحة واحدة من البداية ليعتذر في الثانية معللا ذلك بخطورة ما سيكتبه بسبب وجود معتقلين من التنظيم بين أيدي المخابرات العالمية والعربية [1] . باختصار نحن إزاء تنظيم هلامي ولكنه حقيقي ويستوجب محاولة الفهم. لذا من الأهمية بمكان الإشارة إلى وجود نظريتين تتوجهان نحو تقديم توصيف للقاعدة. والمقصود:

1 -نظرية تعتقد بوجود تنظيم عالمي حيوي للقاعدة يمتد على مساحة الكرة الأرضية، ويضم عشرات الخلايا العاملة في شتى المجالات الأمنية والأيديولوجية والاقتصادية والإعلامية والتكنولوجية، وتتلقى توجيهات مباشرة أو غير مباشرة عبر شبكات اتصال ميدانية أو إلكترونية، وبنفس الوقت تتمتع بمبدأ اللامركزية في القيادة مما يتيح لها التحرك دون العودة إلى القيادات العليا في التنظيم. وهذه النظرية تدافع عنها الأجهزة الأمنية العالمية. وعلى أساسها تبني الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجياتها وتخوض حربا معلنة باسم مكافحة الإرهاب.

2 -نظرية أخرى تعتقد بأن القاعدة باتت مجرد فكرة وقع تبنيها من المجموعات والأفراد على السواء، وتنشط بمبادرات ذاتية مشكلة في بعض الأحايين ما يسمى بالخلايا النائمة. وتدافع شرائح كبيرة من المثقفين والباحثين والمحللين وحتى المؤسسات الأمنية عن هذا الاعتقاد.

وفي حقيقة الأمر تبدو النظريتان على قدر كبير من الصحة. فالقاعدة لم تكن تنظيما بالأساس منذ احتلال أفغانستان سنة 1978 وحتى ما بعد سقوط كابول 1992 في أيدي المجاهدين. فماذا كانت إذن؟ نطرح السؤال في الوقت الذي يعيب فيه أبو مصعب السوري على الجماعات المجاهدة فشلها في توصيف نفسها وتحولها إلى تيارات جماهيرية مما كان سببا يضاف إلى سلسلة الأسباب التي أدت إلى إخفاقها في تحقيق أهدافها. لذا نراه يتساءل عن:"الجماعة المجاهدة: ما هي؟ وما هو تعريفها؟ ما طبيعة علاقتها مع ما حولها من الجماعات؟ وما مشروعية تعدد تلك الجماعات المجاهدة وغير المجاهدة؟ وما نسبة صلاحياتها وفحواها إلى جماعة المسلمين العامة؟ وما مسوغات و شرعية وجودها؟".

ولا شك أن التساؤلات المطروحة تمثل، في الوقت ذاته، شروط أولية للنجاح بنفس القدر الذي تؤشر فيه على الاختلالات البنيوية والمنهجية في عمل وتفكير التيارات الجهادية، ومن هذا المنطلق

(1) أبو مصعب السوري، مرجع سابق، ص791.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت