الصفحة 23 من 43

لدعوة بن لادن إلا في اللحظات الأخيرة من العام 2001 حين أقحمتها أمريكا قسرا في هذا الاتجاه بعد هجمات سبتمبر. فقد كان لهذه التيارات برامج قطرية خاصة بها فضلا عن أنها لم تعتد العمل بطريقة التنظيم العالمي وهي المبنية على صيغة التنظيمات القطرية - السرية - الهرمية، والأهم أنها لم تلحظ قط بنية مؤسسية أو أيديولوجية مألوفة لها. إلا أن هذا التمنع توقف فعلا مع الغزو الأمريكي لأفغانستان وانقراض الغالبية الساحقة من رموز التيارات الجهادية ومخزونها البشري قتلا واعتقالا لما يتراوح بين 3000 - 4000 شخص من بينهم أطفال ونساء، فضلا عن تراجع البعض منها كما فعلت الجماعة الإسلامية فيما عرف عنها بـ"مبادرة وقف العنف".

هكذا نشأ تنظيم القاعدة وهكذا استقر بعد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، إلا أن التغير الكبير سيأتي تباعا كلما توسعت رقعة المواجهة مع الأمريكان باحتلال العراق حيث سنشهد حينها تفريخا كبيرا للخلايا في عديد البلدان العربية والإسلامية ومزيدا من انضمام التيارات والجماعات إلى التنظيم

أو إلى فكرة الجهاد العالمي.

ثانيا: المستوى النظري الثاني من التوصيف

كان أبو مصعب السوري قبل اعتقاله مؤخرا من القلة المعدودة التي نجت من مذبحة الفتك بأفغانستان والتي نفذتها الولايات المتحدة وباكستان غداة هجمات سبتمبر، وكان واحدا من أعمدة الفكر الاستراتيجي للتيارات الجهادية الراهنة وخاصة القاعدة بوصفه مشاركا ومؤرخا ومحاضرا ومحاورا ومدربا في معظم التجارب الجهادية العربية وحتى غير العربية، ولا شك أن له تأثيره الخاص على توجهات تنظيم القاعدة نحو العالمية، كما أن مشروعه في الدعوة إلى مقاومة عالمية شاملة لاقى تجاوبا في المحصلة وباتت أفكاره تعبر عن صميم تفكير القاعدة. ومن الطريف ملاحظة تسمية المؤلف الضخم الذي افتتحه بلفظة"دعوة ..."وليس حركة أو تنظيم أو حزب. وعلى فرادة وجدية الموضوعات المطروحة وذات الصفة الموسوعية، وحين سبر أغوار المؤلَّف المنهِك وتوابعه من الإنتاجات الغزيرة للكاتب الصوتية منها والمرئية سيتبدى بوضوح ما يمكن اعتباره توصيفا بالغ الدقة لتنظيم القاعدة حاليا والذي امتنع عن التعرض له بالكتابة.

ففي المؤلَّف يعرض السوري لدستور الدعوة بشكل مفصل وميسر، وفي المادة الأولى منه يكشف النقاب عن هوية الدعوة عبر النص التالي:

"دعوة المقاومة الإسلامية العالمية ليست حزبًا, ولا تنظيمًا, ولا جماعة محدودة محددة. فهي دعوة مفتوحة. هدفها هو دفع صائل القوى الاستعمارية الصليبية الصهيونية الهاجمة على الإسلام والمسلمين. ويمكن لأي تنظيم أو جماعة أو فرد اقتنع بمنهجها وأهدافها وطريقتها, الدخول فيها بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر" [1] .

هذه ملاحظة يصعب تجاوزها أو التقليل من مضمونها وخلفيات بنائها لاسيما أنها خُطَّت بعد نحو ثلاث سنوات من سقوط طالبان ومذبحة القاعدة في قلعة جاجي. وفي رسالة وجهها أحد رواد المنتديات

(1) أبو مصعب السوري، مرجع سابق، ص925، ومع ذلك سنستعمل تعبير تنظيم القاعدة إجرائيا على امتداد البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت