الصفحة 17 من 43

ومما هو جدير بالذكر والتفكر والتوقف عنده، وهو ما لا يريد أن يسمعه أحد أو يتقبله كحقيقة ساطعة وبديهية، أن المنطق الإسلامي يأبى في الصميم التمايز على أسس عرقية أو اجتماعية أو مادية أو قرابية كبديل عن معايير التقوى والورع وطاعة الله ورسوله وأولي الأمر [1] . ولو جرى التفكير بهذه الحقيقة لاختلفت التحليلات والتفسيرات بمقدار 180 درجة عما هو مألوف. ونذكر بأن هذه الخصيصة هي التي جعلت جميع التيارات الجهادية تشيد صروح تربيتها لعناصرها على أساس عقيدة"الولاء والبراء لله"التي أفردت لها حيزا كبيرا جدا من أدبياتها لتكون واحدة من أهم ثلاث قضايا مركزية قامت عليها هذه التيارات [2] .

هذه العقلية المحصنة بمرجعية سلفية منهجية صارمة والتي ليس لديها من معايير للقياس والمقاربة إلا القرآن والسنة وأهل السلف والإجماع ستؤدي حتما إلى ولادة مقاتل إسلامي عالمي غير مألوف في ثنايا العقود اللاحقة على انهيار الخلافة وتقسيم الوطن العربي، مقاتل عنيد يمكن أن يتوجه، دون تردد، إلى حيث تأتيه توجيهات الأمير، مقاتل"يعتقد أن الله معه"في كل مكان وزمان"وأن الله أكبر" [3] من كل العقبات والطغاة، هكذا هو في نيويورك وواشنطن ومدريد ولندن واندونيسيا واستانبول وكينيا والرباط واليمن والسعودية والكويت وتونس وعمّان وطابا وشرم الشيخ وغيرها. فهل يمكن لأية عمليات تأهيل أن تنجح في ثنيه عما يعتقد بسهولة؟

المسألة الثانية: التكون التاريخي لتنظيم القاعدة

(1) أبو مصعب السوري، مرجع سابق، ص 964. وللأهمية نثبت النص التالي فيما يتعلق بعقيدة الولاء والبراء وأسس التمايز:"بصرف النظر عن أجناس البشر وألوانهم, واختلاف لغاتهم وشعوبهم, وغناهم وفقرهم, أو أي اعتبار آخر. فقد اعتبرت الشريعة لهم نسبتان فقط هما: مؤمن وكافر. كما قررت أن الكفار على اختلاف مذاهب كفرهم, وأجناسهم, وشعوبهم, ولغاتهم ملة واحدة. وبهذا الوضوح تقرر أن أهل التكليف إنسهم وجنهم في هذه الأرض أمتان: أهل الإيمان وأهل الكفر. وقال عز وجل: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة- المؤمنون، 52} . وقررت بينهم رابطة الولاء وواجباتها. وقررت أن التفاضل بينهم على أساس التقوى. كما قررت أن الكفار على اختلاف مذاهب كفرهم, وأجناسهم, وشعوبهم, ولغاتهم (ملة واحدة) ... ولم تقم أمام عقيدة الولاء والبراء ولم تعتبر أي رابطة أخرى .. حتى ولا أشد أواصر القربى". ولعله الوحيد الذي لاحظ:"أن الحركة الإسلامية الجديدة لا تقرّ بالتمايز الطبقي في المجتمع، بل أنها تتعدى الطبقات وتحتويها كلها في الوقت نفسه، على عكس الإيديولوجيات والأنظمة الفكرية التي تصور المجتمع، والتي ظهرت ابتداء من القرن التاسع عشر ممثلة المجتمع على أنه قائم على وجود طبقات اجتماعية وجماعات ومصالح ... الخ ... وتَصوُّرها للواقع الاجتماعي ينطلق من رفض مبدئي للتمييز بين الاجتماعي كعنصر حاسم في التحليل. فحركة الأصوليين تنظر إلى المجتمع على أنه كيان توحده العقيدة، وليس كيانا تربطه مجرد مصالح عملية وعلاقات إنسانية سطحية. علي الكنز: الإسلام والهوية - ملاحظات للبحث، ندوة الدين في المجتمع العربي، 1990، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت - لبنان، ص92."

(2) المقصود قضيتي الجهاد والحاكمية.

(3) هيرمان فريدريك ايليتس،"الأصولية الإسلامية: بحث عن نظام جديد"، دراسة مترجمة عن مجلة"ميديترانيان كوارتلي، العدد الرابع - المجلد الأول. وباللغة الإنجليزية: Herman F.Elits-(Islamic Fundamentalism Aquest A New Order Mediterranian Quartly, vol 1, No4, Fall 1990."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت