الصفحة 36 من 43

من الواضح أن السوري كمؤصل للعقيدة القتالية للتيار الجهادي لم يفته التذكير بأن اليمن المباركة تمثل بالنسبة للجزيرة العربية المخزن البشري الهائل والجغرافيا المواتية لانطلاقة جهادية، والأهم من ذلك أنها نقطة انطلاق مركزية في دفع الصائل عن بلاد المسلمين مثلما هي الشام بالضبط، فعلى كليهما إذن تقع مسؤولية النصرة والمدد والمبادرة. فحين تكون المبادرة بيد أهل الشام يكون الزحف باتجاه القدس أولا ثم المدينة حيث تجمع الأنصار ثم"الفتح الجديد"لمكة، وحين تكون المبادرة بيد أهل اليمن يكون الزحف باتجاه مكة أولا ثم المدينة حيث الأنصار ثم الزحف نحو القدس.

لقد قتل الزرقاوي أخيرا، وهذه حقيقة، فالرجل نال ما سعى إليه. بيد أن الافتراض بأن مقتل الزرقاوي أو الظواهري أو حتى بن لادن أو اعتقال هذا القائد أو ذاك، أو غياب أحد الفاعلين في التنظيم سيعيق مشروع القاعدة هو افتراض خاطئ، ولم تقل به حتى الولايات المتحدة ذاتها. فالقاعدة تنظيم يقع خارج الذاتية وخارج المؤسسة، ولأنه بات فكرة أكثر منه تنظيما فلم تعد الفكرة ملكا لأحد ولا حتى للتسمية بقدر ما هي ملك لكل من يؤمن بها ويعمل عليها فضلا عن كونها أحد مناهج التغيير الاجتماعي في الأمة لدى شرائح واسعة، وهو أمر من قبيل الواقع بحيث لم يعد ممكنا تجاهله أو الاستخفاف به أو ترحيله إلى مصنفات الجهل والضلال أو الأيديولوجيا والمماحكات السياسية. والسؤال هو: هل القاعدة في فلسطين حقيقة؟

ثمة فرضيتين مبدئيتين للإجابة على السؤال، إحداهما تؤكد والأخرى تنفي. ولأنه ليس لدينا ما يؤكد أو ينفي سنلجأ إلى تحري المسألة ومن ثم مناقشتها.

فمنذ نحو سنتين أو أقل تتناقل وسائل الإعلام بين الفينة والأخرى تصريحات لمسؤولين إسرائيليين يتحدثون فيها عن اختراق حققته القاعدة في فلسطين وتحديدا في المناطق الجنوبية من قطاع غزة وخاصة منطقتي رفح وخانيونس. وقد أخذت هذه التصريحات والمقالات [1] تزداد ضراوة مع خروج القوات الإسرائيلية من غزة بشكل مفاجئ وغداة تسلم السلطة الفلسطينية للمعابر على قطاع غزة حيث حدث نوع من الفوضى تسببت بتداخل سكاني يقدر بالآلاف على جانبي المعابر الحدودية بين مصر وغزة، وقيل بعدها أن بعض العناصر من القاعدة تسربت أو ربما تكون قد تسربت إلى القطاع قادمة من سيناء. ثم وبعد تفجيرات وقعت في بعض الأماكن السياحية في منتجع دهب المصري أعلن مسؤولون مصريون أن أحد المنفذين أو أكثر تلقى تدريبات في غزة دون أن يحدد هويته أو الجهة التي تلقى عندها التدريب وتَنَعَّمَ بحمايتها.

لا شك أن مثل هذه التصريحات أثارت الطرف الفلسطيني وأطراف المقاومة التي شعرت وكأنها مستهدفة بشكل مباشر لاسيما وأن الشعب الفلسطيني يعيش حالة من الحصار الشامل والذي تشارك به دول عربية بصفة مباشرة أو غير مباشرة. لذا ما زالت تتبلور قناعات لدى عامة الناس أن المقصود بهذه

(1) من جهتها، نشرت صحيفة الحياة اللندنية بتاريخ 4 و 5/ 4/2006 مقالة على حلقتين للصحفي اللبناني حازم الأمين يتحدث فيهما عن احتمال توغل فعلي للقاعدة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت