الصفحة 4 من 43

بداية فلسنا بصدد البحث عن استراتيجيا التنظيم في اللغات المهيمنة والدارجة كما هو الحال في الصحافة والإعلام والسياسة، بل في فلسفة التنظيم بالذات، باعتباره بالمحصلة تنظيما يستقي أفكاره (من) ويتغذى (على) عقيدة السلف. ولأن هذه الفلسفة تقع في نطاق عريض يمثل فيه القرآن والسنة والتراث السلفي معينه الذي لا ينضب فسنعمد إلى البحث والتنقيب عما يمكن أن يقربنا ويتيح لنا إمكانية التعرف على ما يجري في الواقع والكشف عن استراتيجيا القاعدة ليس من خلال لغة الخطابات الإعلامية والأيديولوجية أو بعض النشاطات المسلحة للقاعدة بل وفي ضوء المحتوى الديني بالذات والذي نعتقد أنه الأكثر حسما في توجيه عقل القاعدة.

وعلى الرغم من أن البحث لا يدخر جهدا في طرح الكثير من التساؤلات التي يحاول الإجابة عليها قدر المستطاع، إلا أن الكيفية التي تحول بها تنظيم القاعدة إلى تنظيم عالمي مقاتل، ومحاولة التحقق مما إذا كانت نشاطاته قد وصلت إلى فلسطين أو أن المسألة لا تعدو أن تكون محض فزاعة تمتطى لتمرير مخططات التصفية للقضية الفلسطينية، تقع في القلب من جملة التساؤلات المطروحة والتي ستجري الإجابة عليها عبر ثلاثة مسائل كبرى هي:

-المسألة الأولى: الأطر المرجعية وبعض تطبيقاتها.

-المسألة الثانية: تكون التنظيم.

-المسألة الثالثة: فلسطين في عقل القاعدة.

المسألة الأولى: الأطر المرجعية للسلفية الجهادية وبعض تطبيقاتها

تقع البنية الذهنية والإدراكية للقاعدة في نطاق ما بات يعرف، منذ عقد على الأقل، بـ"السلفية الجهادية". وهو مصطلح جديد كل الجدة وفريد في المحتوى حين يعبر مضمونه المترامي الأطراف عن إجمالي التيارات الجهادية التي غدت تؤمن بما تسميه الإسلام العالمي المقاتل. أما الجدة في هذا الطرح فتكمن في أن الجهاد لم يعد يعبر عن محتوى أيديولوجي ذو نزعة تنظيمية قطرية محدودة بقدر ما بات يُقَدّم على أنه عبادة وفريضة متعينة بقطع النظر عن إمكانية تطبيقها على مجاميع الأمة الإسلامية، إذ أن مبدأ التطبيق اليوم بالنسبة للتيارات الجهادية وفي الظروف الحالية يقتصر على الفرد دون الجماعة، لذا فهو يتخذ من الآية الكريمة التالية شعارا له، وبموجبها يعمل: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللّهُ أَشَدُّ بَاسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا {84} ، النساء) .

أما سؤالنا الرئيس في هذه المسألة فهو: ما هي المصادر المعرفية والمنهجية التي شكلت البنية الإدراكية والذهنية للسلفية الجهادية وغيرت جذريا من المفاهيم التقليدية؟

أولا: الوهابية بوصفها حركة سلفية

لم تحظ أية حركة إسلامية معاصرة بالدرس والتحليل والتنقيب بمثل ما حظيت به الدعوة الوهابية التي ظهرت في الجزيرة العربية منذ ثلاثة قرون (1791 - 1703) سواء أكانت حركة فقهية دعوية أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت