حركة سلفية جهادية. إذ أن غزارة الإنتاج المعرفي حول الحركة يزيد بما لا يدع مجالا للشك من التعقيد والإرهاق لأي باحث يعيد استهدافها بالدرس أو يحاول وضعها تحت مجهر البحث.
ومع ذلك فبقليل من المغامرة وكثير من الحزم، يمكن اعتبار الوهابية أقدم الحركات الإسلامية المعاصرة في العالمين العربي والإسلامي. ولقد ظلت أسرع الحركات الإسلامية انتشارا وأشدها تأثيرا في المجتمعات والدول الإسلامية على السواء، وما يلفت الانتباه أن ظهورها واشتداد عودها تَلازَم مع انطلاق العربة الاستعمارية الأوروبية في بدايات القرن التاسع عشر والبدايات الأولى لانهيار السلطنة العثمانية، الأمر الذي حملها مسؤوليات كبيرة وأجبرها على خوض مواجهات للدفاع عن ذاتها وتنزيهها عن أية علاقات رأسمالية مع الغرب الأوروبي (المشرك) أو ضربها بطموحات سياسية تستهدف الدولة العثمانية (المسلمة) وتسلم الخلافة نيابة عنها. والحقيقة أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي مرت بها الجزيرة العربية من شأنها إسقاط هذا التلازم المشين في النشأة والذي، ربما، يقع في خانة المصادفات، أو على الأقل هو ليس من اهتمامات البحث.
واقع الأمر أن الجزيرة كانت مقسمة إلى مناطق نفوذ قبلي متنوع اقتصاديا وثقافيا وسياسيا وحتى طائفيا، ويكاد البعض من المطلعين يجزم أن الجزيرة كانت تمر بمرحلة ثقافية جد متخلفة وغارقة في دروب الخرافات والأساطير والشرك وحتى الوثنية [1] . لهذا تبدو دعوة محمد بن عبد الوهاب قد جاءت في أوانها وفي الصميم، وليس أدل على ذلك من اعتبار الفقهاء والعلماء والمؤرخين والمحدثين على اختلاف مشاربهم وآرائهم وحتى توجهاتهم الأيديولوجية والسياسية كتاب"التوحيد"أهم كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الإطلاق [2] . فالدعوة، إذن، جاءت ردا على واقع اجتماعي بات أبعد ما يكون عن العقيدة وأصولها التي اختلطت مناسكها بالبدع إلى حد الشرك والوثنية [3] وليس ردا على أسباب سياسية أو اقتصادية أو حتى اجتماعية. وفي مثل هذا الأمر الحاسم في النشأة يغدو السؤال عن ماهية الدعوة: هل هي مذهب أم جماعة أم حركة أم تيار؟ مشروعا مئة بالمئة، فطبقا للمصطلحات الراهنة لا ترى أطياف الشيعة والصوفية ومثليهما في الوهابية غير مذهب ضال، في حين تراه بعض أطياف السنة، بالإضافة إلى كونها مذهبا، حركة إسلامية تجديدية، ومع ذلك فمن
(1) لاحظ الجابري في وضعية انتشار الإسلام في الجزيرة بعد فتح مكة، أن القبائل العربية أخذت في التوافد على مكة لمبايعة الرسول / على الدخول في الإسلام تحت ضغط الفتح، ما يعني أن الإسلام لم يكن لدى القبائل المبايعة على أساس من التعلم والتفقه بالدين بقدر ما كان على أساس المبايعة، مما أفقدهم بالمحصلة لأصول الدين فخلطوا الشرك بالتوحيد مع مرور الزمن. قارن مع: محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته، المركز الثقافي العربي، ط2 - 1991، بيروت- لبنان، ص150 - 151.
(2) ثمة انتقادات منهجية متعددة لكتاب التوحيد، منها ما يراه د. محمد المسعري في أن المشكلة تكمن في تعريف التوحيد ونواقضه عند محمد بن عبد الوهاب مما يسقط البناء برمته. مقابلة صوتية مع إذاعة التجديد بعنوان:"تساؤلات منهجية حول الدعوة الوهابية"، على موقع التجديد في الشبكة: https://www.tajdeed.org.uk/sound/list.do?cid=20.
(3) راجع العميد د. محمد بن صنيتان، الوهابية .. دعوة سلفية، مجلة الحرس الوطني السعودية، العدد 244، 1/ 10/2000. على موقع المجلة في الشبكة: http://haras.naseej.com/Detail.asp?InNewsItemID=93050