الصفحة 12 من 43

كل هذا من شأنه أن يساهم في تشكيل البنية الذهنية والإدراكية للتيارات الجهادية ويسهل عملها. وإذا كان أبو مصعب السوري قد استنتج"بأن المكسب الأكبر للتيار الجهادي من تلك التجربة] الأربعين سنة الماضية [هو عولمة التيار الجهادي فكريا وحركيا ... وتبادل الفكر والخبرات, والتعارف بين كوادره من البلاد المختلفة, ثم انتشار ذلك في مختلف أقطار الدنيا"[1] فالواقع يشي بأن العولمة فرضت نفسها على التيارات الجهادية رغما عنها. فما الذي يمكن أن يحدث عندما يتعولم الفكر الجهادي؟

ثالثا: تطبيقات مفاهيمية(الوطن الإسلامي نقيضا للوطن العربي)

في الواقع يمكن أن ينقلب الأمر رأسا على عقب، فالوطن والشعب والمجتمع والقومية والأمة والقطر و ... كلها مفاهيم حديثة يمكن أن نجد لها نظائر في التاريخ الإنساني وحتى الإسلامي، إلى هنا فليس ثمة مشكلة بعد، ولكن في العقيدة الإسلامية فالمسألة جد مختلفة، ذلك أن الحديث يجري عن ديار المسلمين أو أرض المسلمين، وحينها يبيت الوطن بالنسبة للمسلم حيث توجد العقيدة ممثلة بالإسلام وأمة المسلمين بغض النظر عن موقع البقعة الجغرافية سواء كانت في مشارق الأرض أو في مغاربها. وبالنسبة للقاعدة من الطبيعي أن يسترشد المسلم بالعقيدة والأحكام الدينية والتشريعات والسنة النبوية، وبتراث السلف الأول من الصحابة والتابعين في بناء استراتيجياته، ومن المؤكد، سلفيا، أن الهجرة إلى أرض الله الواسعة يمكن أن تكون متاحة وواجبة، في ظروف ما، إلى حيث تتحرر العقيدة والدين من وصاية السلطان أو يتبناهما، أو في أي بلد إسلامي سواء كان هذا البلد هو باكستان أو أفغانستان أو الفلبين أو الشيشان أو كشمير أو إندونيسيا أو البوسنة أو ماليزيا أو جنوب أفريقيا أو الجزائر أو اليمن أو العراق أو السعودية أو الشام أو أي بلد آخر.

ففي الإسلام ثمة أمور تستعص على فهم الآخر، ففي الغرب حيث الديانة المسيحية يمكن للمرء أن تكون له كنيسة يصلي بها ولا يصلي بغيرها! بل أننا نجد كنائس للسود وأخرى للبيض وكنائس للفقراء وأخرى للأغنياء وكنائس للمواطنين ومثلها للمغتربين، وطقوس كنيسية لهذا تختلف عن ذاك في حين تفترض وحدة الديانة والمعتقد طقوسا متماثلة يقع الجميع فيها تحت سقف التعاليم الربانية، وفي إسرائيل أيضا ثمة عنصرية في شتى مناحي الحياة بما في ذلك الدين، وأسوأ من ذلك، فمن غير المسموح أو المألوف مثلا أن يتعبد يهودي في غير الكنيس الذي يتعبد به عادة فإذا ما حان وقت عبادة فعلى اليهودي إن كان ملتزما أن يذهب إلى كنيسه فقط، ولا يجوز له التعبد في كنيس آخر! أما في الإسلام فمن العبث الاعتقاد بعنصرية دينية، فإذا حضرت الصلاة جاز للمسلم أن يؤديها في أي مسجد على وجه الأرض وفي أي مكان إذا تعذر وجود مسجد لسبب ما. فالتماثل ووحدة العقيدة في

أحكامها ونواهيها وتشريعاتها واحدة في كل زمان ومكان.

إذن ليس ثمة مشكلة في العيش حيث يتواجد الإسلام والمسلمون طالما أن العقيدة واحدة والرب واحد والنبي محمد / هو خاتم الأنبياء والهدف واحد وهو إقامة الدولة الإسلامية وإحياء سنة الخلافة في الحكم واستئناف تبليغ رسالة الإسلام إلى أمم الأرض. بهذا المحتوى لمفهوم الوطن والشعب والدين سيكون لزاما

(1) نفس المرجع، ص708.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت