علينا تقبل أن تكون الأمة الإسلامية برمتها هي المورد البشري بحيث يغدو التنظيم معبرا فعليا عن إطار إسلامي أصيل وليس إطارا قطريا أو قوميا أو إقليميا. فماذا نعني بالإطار الإسلامي؟ وما الفرق بينه وبين الإطار القومي مثلا؟
إن الفرق بين الإطارين هو حكما فرق في الاعتقاد وبالأصح هو فرق في الإيمان، فإذا كان من الممكن أن يتخلى الفرد عن الأيديولوجيا أو يستبدلها في لحظة من الزمن فمن غير الممكن حدوث الأمر نفسه إذا ما تعلق الأمر في العقيدة، فالإيمان هو قول يصدقه العمل وليس كما تقول الإرجائية إيمان يصدقه القول.
وإذا انطلقنا من القومية العربية كمثال سنجد أيديولوجيا حظيت بالكتابات الغزيرة والمساندة من قبل المثقفين والسياسيين على السواء، ونظمت لها المؤتمرات والندوات والمهرجانات الخطابية وعزفت لها الأناشيد ما عزفت، بيد أن واقع الأمر يشير مبدئيا إلى:
-دول أعلنت تبنيها الأطروحة القومية والتزمت فعليا بأطروحة قطرية فجة ترقى في كثير من الأحايين إلى العنصرية (= الاستعلائية) إن لم يكن الانغلاق.
-تربية أجيال بحالها على القطرية والاعتزاز بالذات القطرية، آل بعضها أو أقسام كبيرة من السكان إلى التنكر للعروبة والأصول القومية.
-التشدد في ممارسة المركزية كخيار الدولة العاصمة نجم عنه إيقاع للتمايز واللامساواة داخل البلد الواحد وعدم التوزيع العادل للثروة.
-ظهور الأطروحة القومية كأطروحة نخبوية وليس كأطروحة شعبية، بمعنى أن التفاعل في الأطروحة القومية ولد ونشأ وترعرع في مستويات ثقافية وسياسية عليا لم يكن للتشكيلات الاجتماعية شأن بها، وإن تفاعلت معها في بعض الأحايين.
-تحول الأطروحة القومية إلى مادة للسخرية والحقد والانتقام لدى كافة التشكيلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية جزئيا أو كليا، في الداخل القطري والخارج الإقليمي.
-تفكيك الجغرافيا والديمغرافيا القطرية إلى جزر طائفية ومذهبية وعرقية متصارعة إلى حد التناحر.
لا شك أن مثل هذه الزراعات الأيديولوجية خلفت نبَتا مشوها ومدمرا في كثير من البلدان العربية، وأنتجت جزء من أمة عربية عنصرية وصريحة في عدائها للأطروحة القومية، وجزء آخرا مناصرا لها ولكنه في واقع الأمر لا يشعر بها ولا يدري ما هي استحقاقاتها والأهم من كل ذلك أنه فاقد لأي نمط حضاري في معايشتها كونه ولد وعاش ونشأ في بيئة قطرية منغلقة على الأقل وذات حدود ضيقة.
فالفرد العربي في أية دولة عربية يعتبر عمله، مثلا، في دولة أخرى غربة قاسية اضطر إلى تحمل مشاقها بسبب الحاجة الاقتصادية، وفي واقع الأمر نحن بصدد فرد لا يطيق مجرد الانتقال للعمل في بلد مجاور أو حتى في مدينة تبعد عن مسقط رأسه مسافة مائة كم، فهل من الممكن أن يصدق المرء أن ذات الفرد قادر على بناء وطن عربي كبير، ناهيك عن العيش فيه، فيما هو عاجز عن مبارحة مقر سكنه؟! ولو قسنا المسألة في دول ذات مساحات شاسعة كتلك التي لم تشهد تقسيما استعماريا مثل الهند