أو الصين أو روسيا أو حتى الولايات المتحدة لوجدنا أن أبناءها لا يتذمرون من الانتقال للعمل أو حتى العيش في أنحاء مختلفة من الوطن، بل أننا نجد موظفين يعملون في مناطق داخل بلدانهم تبعد مسافة ساعتين أو ثلاثة عن مقر سكناهم، وبعضهم ذو نزعة قارية في اختياره لمقر العمل أو الإقامة حيث تجده يعمل في قارة ويقيم في أخرى ويقضي إجازته في ثالثة وهكذا. فكيف يمكن الترويج لأطروحة قومية تتوسط بقاع الأرض وتمتد على مساحة تقدر بنحو 14 مليون كيلومتر مربع وسط مئات الملايين من السكان؟ في حين لا يشعر الفرد العربي ولا يستسيغ القول بأن الفرق في الوطن الأميركي بين نيويورك ولوس أنجلوس لا يختلف كثيرا عن الفرق في الوطن العربي بين صنعاء ودمشق لولا أن للضرورة أحكام؟
أما على المستوى التنظيمي للجماعات العلمانية فلو أخذنا التجربة الفلسطينية الأغنى عربيا لوجدنا أن المقاتلين الفلسطينيين على اختلاف انتماءاتهم الأيديولوجية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية فضلوا التمثل والتميز برموز الكفاح الأممي مثل الجنرال الفيتنامي جياب وجيفارا وماوتسي تونغ وكاسترو وماركس ولينين على رموزهم الوطنية والإسلامية مثل جعفر الطيار وعبد الله بن رواحة وسعد بن أبي وقاص وطارق بن زياد وموسى بن نصير وقتيبة بن مسلم وصلاح الدين وخالد بن الوليد ومصعب بن عمير وحمزة ونور الدين زنكي وغيرهم، بل وأكثر من ذلك إذا عرفنا مثلا، وحتى هذه اللحظة، أنهم ليسوا بقادرين على تقبل الأطروحة الإسلامية كرصيد معرفي هائل يمكن أن يساهم على الأقل إن لم يوجه الكفاح ضد إسرائيل العلمانية والتي قامت ودافعت عن نفسها حتى اللحظة بمصطلحات توراتية. ولما يتعرضون لنقاشات مثلا عن قضيتهم مع أفراد إسلاميين ينتمون إلى حماس أو الجهاد أو أية جهة إسلامية أخرى (فردا أو جماعة) ، حتى لو كانت غير منتمية، تجدهم في قمة الشعور بالاستفزاز بحيث يجيبون بعصبية تصل إلى حد الإهانة والسخرية وبما يشبه التنكر والإنكار: أين كان هؤلاء لما كنا نواجه إسرائيل وحدنا؟ ولماذا قاتلوا بأفغانستان؟ أليست فلسطين أقرب لهم؟ ولعلهم محقين فيما يعتقدون بما أن الأيديولوجيا القطرية التي يحملونها تعودت أن تتسع لأيديولوجيا صديقة قادمة من الصين أو موسكو أو فيتنام أو حتى الولايات المتحدة وتفاخر بها وتدافع عنها وتستميت في سبيلها ولكنها لا تتسع لشريك في الكفاح حتى لو كان من آل البيت، وأسوأ من ذلك أن البنية الذهنية والإدراكية والمعرفية والتصورية لهم لا يبدو، مهما حاولت من جهد، أن تستجيب في تطلعاتها وطموحاتها، في أحسن الأحوال، لأكثر من محيطها التنظيمي المنغلق [1] ، فكيف ستستجيب لمحيط عربي أو إسلامي ناهيك عن العقيدة والدين وما يتطلبانه من عبور نحو العالم. ويستحضرنا في هذا السياق امتناع الدول الصديقة الكبرى عن الاقتراب من المواقف الفلسطينية والعربية ومناصرة قضاياهم لخشيتها من تقلب مواقفها وعدم اتضاح خياراتها وتقوقعها وانحسار طموحاتها في الدولة أو التنظيم أو القبيلة أو السلطة أو الامتياز
(1) وللإنصاف فإن ما ذكر ينطبق حتى على الجماعات الإسلامية الجهادية والدعوية والسلمية وليس فقط على التنظيمات العلمانية. فهؤلاء يعيبون على الجماعات الوطنية العلمانية مثلا بأنهم يقاتلون في سبيل الطواغيت وليس في سبيل الله.