لا ريب أن لتنظيم القاعدة تطلعات جهادية نحو تحرير فلسطين، فمنذ التحول الأيديولوجي الكبير الذي طرأ على فكر بن لادن والظواهري وغيرهما من قادة التنظيم ومنظريه لجهة وجوب الربط المحكم بين المساجد الثلاثة والتخلي عن مقاتلة أنظمة الحكم العربية لصالح مقاتلة القوى الغربية واليهودية الصائلة في بلاد الإسلام، توالت خطابات قادة التنظيم ورسائلهم الصوتية والمرئية تباعا ابتداء من بن لادن والظواهري وانتهاء بالزرقاوي، وأخص بالذكر هنا القَسَم الشهير لبن لادن غداة أحداث سبتمبر. ولكن، كيف يمكن قراءة هذه التطلعات؟ وما علاقتها في التطبيقات الاستراتيجية للقاعدة؟
ثمة صعوبة فائقة في الإجابة على السؤال، فنحن مازلنا بصدد تنظيم غير مؤسسي، ولسنا معتادين على طرح مثل هذه الأسئلة في وضعية كهذه حتى نتمكن من دراسة الأهداف والغايات والوسائل وما إلى ذلك، لذا سنعمد إلى مقاربة منهجية تسمح لنا بالمرونة في التفكير ولكن انطلاقا من ضبط منهجي صارم. فما سبق وقدمنا له من مضمون جوهري للسلفية سيكون منطلقا لنا في السعي للاقتراب من استراتيجيا القاعدة على أسس دينية وليس فقط على أسس أيديولوجية أو إعلامية أو سياسية أو حتى عسكرية خاصة وأن أحد كبار منظري القاعدة يورد عبارة جد طريفة لما يقول:
"إن الضعفاء لا يستطيعون وضع الإستراتيجيات. وذلك لعدم إمكانيتهم في فرض الظروف, أو على الأقل المحافظة على ثباتها. ولذلك قد تتغير الإستراتيجيات نتيجة الانقلاب في الظروف العامة. ومن الأجدى أن تكون إستراتيجية المقاومة مجموعة خطوط إستراتيجية عريضة تعطيها مرونة الحركة وتبديل التكتيكات بحسب الوقائع الناشئة" [1] .
فمن أين يمكن الإتيان باستراتيجية إذا كانت الظروف كلها تصب في غير مصلحة التيار الجهادي عموما والقاعدة خصوصا؟ ومن أين للقاعدة أن تتوفر على خطوط استراتيجية عريضة توجه اختياراتها وتتحكم بمصيرها إن لم تكن واقعة في صلب السلفية كمنهج، وفي صلب الفقه الجهادي منه، باعتبار الجهاد بالنسبة للقاعدة عبادة بالدرجة الأساس قبل أن يكون دفعا لصائل من الأعداء؟
إذن، بما أن القاعدة هي تنظيم سلفي أصيل بالدرجة الأساس، فالتفكير خارج الإطار السلفي للكشف عن نوايا القاعدة ربما يكون مضيعة للوقت، وهذا يعني أن الحديث عن فلسطين أيا كانت الظروف السياسية والأمنية هو حديث ذو طابع سلفي، بمعنى أن تحرك التنظيم مرتبط بشكل أو بآخر بالتوجيهات الدينية التي تحكم حركة التنظيم، وبالوضع على الأرض أو ما تسميه القاعدة بفقه الواقع.
ومع ذلك، وعلى صغر مساحة فلسطين، وضيق الحراك السكاني فيها لاسيما في المناطق المحتلة
سنة 1967 وما تتميز به من كثافة سكانية عالية جدا ثمة عشرات التنظيمات والجماعات المسلحة المنضبطة وغير المنضبطة والتي تسببت في ازدحام كثيف في السلاح وصل إلى حدود الفوضى وما يسمى بالفلتان الأمني حتى أنه بات يهدد بحرب أهلية، فالتشكيلات المسلحة جميعها الإسلامية وغير الإسلامية فعلت فعلها في إسرائيل وقواتها المحتلة خلال السنوات الخمس من انتفاضة الأقصى، وأوقعت
(1) أبو مصعب السوري، مرجع سابق، ص 1114.