فيها خسائر فادحة مقابل خسائر فلسطينية بشرية وبنيوية كبيرة جدا ومؤلمة. وتأسيسا على ذلك ثمة تساؤل يتربع على قمة المشروعية دون مزاحمة: ما الذي يمكن أن تفعله القاعدة بإسرائيل أكثر مما فعلته بها الأجنحة العسكرية لحماس أو الجهاد أو فتح وغيرها؟
فعلا، قد يبدو السؤال، للوهلة الأولى، مشروعا، ولكنه في العمق المؤقت مغلوط. فالحديث عن أن القاعدة وصلت إلى فلسطين أو بعض مناطقها حديث غامض لم تثبت صحته بعد، ولعل السؤال هو: بأي شكل يمكن للقاعدة أن تتواجد في فلسطين، وبشكل من شأنه أن يحقق جدوى ونقلة نوعية في القتال ضد إسرائيل؟
قلنا أنه من العبث التفكير بإستراتيجية القاعدة في المواجهة بمعزل عن المنهج السلفي كموجه لخياراتها الجهادية أو بمعزل عن مفهومها للإطار الإسلامي. ولكن حتى نفهم أطروحة القاعدة جيدا يمكن التساؤل بجدية أكبر: إذا كانت القاعدة تنظيما إسلاميا يسعى إلى إقامة الدولة الإسلامية وإحياء سنة الخلافة في الحكم فماذا تريد، مثلا، جماعة كالإخوان المسلمين أو أي جماعة أخرى غير تحقيق هذا الهدف؟ أو بماذا تختلف القاعدة عن غيرها من الجماعات؟
هنا ينبغي التمييز فعلا، فالغالبية الساحقة من الجماعات الإسلامية المسلحة وغير المسلحة تكتفي بالحديث عن أهداف قطرية من نوع مصر أولا، أو تقبل بالديمقراطية والمنافسة بالانتخابات كسبيل سلمي للوصول إلى السلطة والمشاركة في الحكم، أو تطرح شعار الحل الإسلامي بديلا عن الحل العلماني أو الحل الوطني أو أنها تطالب بإعمال مبدأ الحاكمية في بلدها وهكذا، وثمة جماعات غير مسيسة أصلا فضلا عن رفضها الدخول في أي عمل سياسي، بل ويشترط بعضها على أعضائه المبايعة على نبذ العمل السياسي وتحريمه. مثل هذه الأطروحات عند القاعدة لا وجود لها إطلاقا، فهي وإن كانت تشن حربا على الولايات المتحدة والقوى الغربية وتحملها مسؤولية العدوان والنهب الذي تتعرض له الأمة الإسلامية والعربية فلأنها قدمت في أطروحتها الإسلام أولا بديلا عن الأطروحة القطرية أو القومية، ولأنها تعتقد أن المقاتل الأمريكي العالمي الصائل في بلاد المسلمين لا يمكن دفعه إلا بمقاتل إسلامي عالمي. ولكن أين؟ وفي أية جبهة؟ ذلك هو السؤال.
ربما يكون صحيحا أن القاعدة وغيرها من التيارات الجهادية فقدت الملاذات الآمنة والجبهات المفتوحة ولم يعد لديها من سبيل إلا اعتماد استراتيجية بناء السرايا الصغيرة ذاتية النشأة والتكوين والدفع والمنقطعة عن بعضها وعن أي ارتباط كان انقطاعا تاما والعمل بصورة منفردة حتى بعيدا عن الأمير المؤسس لها كما يقترح أبو مصعب السوري في مؤلفه.
ولكن الملاحظ، من خلال المتابعة والرصد، أن القاعدة تحوز على إستراتيجية فريدة في الصراع تقوم على التواجد في مناطق التوتر في العالمين الإسلامي والعربي من جهة بينما نراها تضرب في المناطق الأشد أمنا واستقرارا ومراقبة من جهة أخرى، وغالبا ما تنجح رغم كثافة الاحتياطات الأمنية ودقة المراقبة والرصد. بمعنى أن القاعدة من المرجح أنها لا تستطيع العيش والعمل والتخطيط إلا في بيئة مضطربة ومنقسمة على نفسها أو مرشحة للانقسام أو ذات حكم بوليسي أو مناطق فوضى أو معازل اجتماعية وسياسية أو ضمن تجمعات مذهبية أو طائفية أو ذات نزاعات مسلحة واضطرابات