فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 1574

استقبله المحافظ توفيق، والحاكم العسكري، وقائد الاستخبارات، وعدد محدود من الضباط والوجهاء، ووزّعت القوات الفرنسية مناشير تبشر أبناء الفرات بقرب موعد الجلاء...

قال علي بك لجلساء مضافته:

ـ علينا أن نوقف عملياتنا فترة محدودة حتَّى تتكشّف الأمور.

قال أبو ياسين:

ـ لم يعترض الفرنسيون قافلة المتطوعين العائدين من العراق بعد إخفاق الثورة فيها.

ـ اطمأن قلبك على ياسين؟

ـ الحمد لله. عاد ياسين سليمًا إلا من شظية أصابت قدمه، وهو الآن معافى.

ـ لماذا حزنت على ذهابه يا أبا ياسين؟

ـ والله يا أبا راغب لا لأنَّه ذهب ليقاتل، وإنما لأنَّه رحل دون أن يودّعني.

قال المختار:

ـ أرجو يا أبا راغب أن نمنح الفرنسيين وقتًا كافيًا من أجل الجلاء، وليكن ستة أشهر على الأقل، وهي مناسبة لنعيد ترتيب بيتنا النضالي.

ضحك أبو ياسين:

ـ أنت كريم عليهم يا مختار. ثلاثة أشهر كافية.

قال الأستاذ جلال:

ـ يا إخوتي، لن يكون ثمن الجلاء إلا دماء الشهداء.

وسترون.

مضت الشهور ثقيلة على المناضلين، وجاء إلى دير الزور محافظ جديد داغستاني الأصل، وكان طيّبًا مع الشعب، لكنه مسالم إلى أبعد الحدود. طلب من علي بك، ومن القادة الوطنيين ألا يشهروا السلاح في وجه الفرنسيين بعد اليوم، مقابل أن يضمن رحيلهم بعد أشهر معدودات.

صاح علي بك:

ـ أشهرًا أخرى يا خالد بك؟ والله إن هدأتُ أنا، فلن يهدأ الشعب. الشعب أمانة في عنقك، ومطلبهم مطلب حق، فالله الله بهم.

خرج علي بك من دار المحافظة غاضبًا، واعتكف في بيته.

جاء المناضلون، وحملوه إلى المضافة، وهم يهتفون:

ـ كلّنا للوطن... كلّنا للجهاد... كلّنا للاستشهاد.

قال علي بك:

ـ يا إخوتي، صدق الأستاذ جلال عندما قال أن الجلاء لن يكون ثمنه إلا دماء الشهداء... لابدَّ من إجبار الفرنسيين على الرحيل مهما كانت التضحيات، لنثبت لهم أننا شعب حي لا يأبه للموت، ولنبرهن لهم أننا لن ندعه ينام إلا على فراش من قتاد... أوصلوا الليل بالنهار واعملوا كامل طاقتكم...

صرخ أبو ياسين بأعلى صوت:

ـ إلى النضال يا إخوتي... إلى النضال.

ارتدى المناضلون جلابيب الحرب، وتلثّموا، وتوزّعوا خلايا في كل حي وشارع.

أقسموا على الاستشهاد وتحرير الأرض من الغاصبين، فأخذوا يفتكون بالفرنسيين وأعوانهم، ولم يسلم (شوتيل) الكولونيل الفرنسي من غضبتهم، فأحرقوا سيارته، وحاصروا بيته عند الجسر العتيق، وكان ثمَّة شاعر شعبي يرافق المناضلين، ويحدو بهم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت