أمَّا ضابط الاستخبارات الفرنسي فقد كان يراقب بقلق تحرّك القوّة الداعمة، وعندما رآها متوجّهة إلى البوكمال، توجه إلى سجن كسّار، فأخرج مسدسه وصوّبه نحو رأس كسّار، لكن المسدس لم يستجب له، فألقاه على الأرض بعصبية، وتناول بندقية الحارس وصوّبها نحو كسّار فأرداه قتيلًا. حدث هذا يا إخوتي عصر يوم السابع عشر من أيلول 1941، وسرعان ما نقل ضابط الاستخبارات الفرنسي جثّة كسّار ووضعها على كرسي سيارته، ووضع على رأسه غطاءه وعقاله ليوهم من يراه بأنه حي، ورحل به عن طريق البادية إلى دير الزور.
قال علي بك:
ـ رحمة الله على كسّار... أجل سلّموا الجثّة إلى تكية الشيخ أحمد الراوي، ودفنت بدير الزور.
ـ رحمة الله عليه، وما تزال يا إخوتي الثورة تشمل الريف ومدينة البوكمال، وتصبح أكثر شراسة، وتسمع في كل مكان حداء الثوار:
عقيدات وما بينا خيانة ... نهجم عل طوب وعل دانة
ما ليس يعضعض باركانه ... يزحف والدربيل مكسّر
راعي الطيّارة مبعوجي ... مكسور الخزّان، وحدّر
ربعي دوم يزيحون الشر
ـ حمدًا لله على سلامتك يا جلال، ولنسمع الآن أخبار الثورة في المدينة من المختار أبي عدنان قائد العمليات فيها.
تنحنح أبو عدنان، وقال:
ـ أوّلًا، أريد أن أطمئنكم على صحة القائد فوزي، فهي بخير، ويسهر على راحته الأستاذ راغب. ثانيًا، الملثّمون قد تضاعف عددهم حتَّى أصبحوا يتجاوزون مئة الملثّم. ضربوا أروع الأمثلة في البطولة والفداء. أمَّا الفرنسيون فخسائرهم ثلاثون جنديًا وضابطًا، ومن السنغاليين ستون. أمَّا خسائرنا فقد استشهد اثنا عشر مناضلًا ومناضلة، تمَّ دفنهم في مقبرة الشهداء، وأبرز الشهداء:
(حميدة أخت أحمد الصباغ، وسلطانة بنت أبي سلطان، وأبو سلطان الجابي، وآرتين وزوجته شاميران) رحمة الله عليهم جميعًا.
ـ يا إخوتي، ثورة دير الزور أقلقت فرنسا، وقد وردني خبر بأن الجنرال ديغول سيأتي إلى هنا ليبشّر الشعب بقرب الجلاء.
قابل الديريون كل الأخبار التي ترِدهم يوميًا بكل استخفاف، فقد تعودوا على خداع المستعمر. هم يريدون إطفاء نار الثورة المتأججة، ولم يفلحوا، ولن يفلحوا، إذ كانت تشتعل بضراوة، تحرق الأخضر واليابس.
قُتل من الفرنسيين والسنغاليين المئات، وأحرقت سياراتهم وناقلات جندهم، ورجموا حافلة صغيرة عابرة كانت تقلّ قائد قوات شرقي السويس الجنرال البريطاني سيريس وكادوا يفتكون به لولا سرعة هروبه إلى العراق.
وجاء ديغول...