فهرس الكتاب

الصفحة 1117 من 1574

أحضر حامد سيارة نقل، وضع فيها الفراش والأثاث وتوجه إلى بيته، فرات تناديك: «هيا يا هلا إلى بيتي» ذهبتِ معها، قليلة الحيلة، الصداع يصرخ في رأسك والألم ينهش قلبك وصدرك، رافعة راية ممزقة ومهزومة. دموع مقهورة تهلّ من عينيك، جففت دموعك، بينما ظلت دمعة واقفة فوق أختها ملتصقة بها، فبدت أشبه بلؤلؤة.

أعلنت الغوطة الحرب عليكِ، لا حياة لك فيها، لا صلح بينكما. أيعقل أن الغوطة التي أحببتها وتكنين لها كل حب تطردكِ ولا تضمك إلى قلبها؟ الآن تتذكرين كلمات حامد كيف أنها جميلة ورائعة من الخارج، تظل في الخيال رمزًا للجمال والحياة شريطة أن يظل بعيدًا عنها.

أنتِ مهووسة بالطبيعة، تحبين الأشجار والطيور وتفتحين ذراعيك للنسمة، للشمس. أما اليوم فقد كرهت الحب، الحياة، الأحلام. لم تعدي تحلمين بخطيب يأتي على ظهر فرس شقراء. الحياة علمتك أن تعيشي مع أحزانك، تصرخين في الليل، يتحول كل ما في حياتك إلى ندب وعويل، تتحول ساعات نومك إلى كوابيس، لا تستطيعين التخلص منها حتى في ساعات اليقظة. أخطر ما فيك فكرك، كونك شاهدة عصرك. هل تمنحين عقلك فترة استراحة، فلا يفكر خلالها؟ تمنيت لو كنت قادرة على ذلك، لو لديك القدرة لإعادة عجلة الأيام، أن تعيدي الأفراح وتلبسي فساتينك الزاهية، أن تنسي. الآن تدركين أن النسيان نعمة كبرى على الإنسان التمسك به، هل تنسين الغوطة وتبتعدين عنها؟ مجبرة على ذلك. وجدتِ قبوًا فيه غرفتان صغيرتان عند طرف المدينة الشمالي، ومع أن الشروط الصحية غير متوفرة فيه، إلا أنك رأيته مناسبًا لدفن جسدك. القبو والقبر كلاهما بانتظارك، ويبدو أن مرورك به قبل وفاتك يعطيك التعود على الموت، تموتين وأنتِ تتنفسين، تموتين وأنت تحاكين صورة أبيك الذي سبقك إلى القبو. تطالبينه أن يشرح لك مزايا الموت، مزايا القبو الذي أحببته من كل قلبك. لا تريدين لأحد أن يذكرك. إنك الآن في مرحلة انتقال، لن تحلمي بالشمس، بالنهارات المضيئة في ظل العتمة والحزن. دهمتك مجموعة أمراض وصار من الصعب شفاؤك. بداية أصبت بالرشح والزكام، تسعلين غير قادرة على إخراج البلغم، على قذف الأوساخ التي في حلقك وحنجرتك، مع الزمن بدأت تشعرين بآلام تمزق معدتك وأوجاع تفتت رأسك، تتناولين الحبوب المهدئة التي سلمتك للفراش، ويومًا بعد يوم تصالحت مع الأمراض وصارت جزءًا من حياتك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت