القلق ينهش صدرك والوسن يفارقك. تظل عيناك مفتوحتين. في ساعات الصباح الأولى تنامين حتى الظهيرة، لتبدئي بعدها المعاناة، تذوبين وتذوين كالشمعة مع اقتراب نهاية فصل الخريف. تحسين بالرطوبة، القشعريرة تسري في جسدكِ، تلزمك مدفأة وبطانية أو أكثر. حالتك تزداد سوءًا، يشفق عليك حامد يدعوك لزيارة أخيك وإمضاء فصل الشتاء عنده، تحركين السبابة علامة الرفض. يقترب منك ليسمع صوتك الواهن:
-لست بحاجة إلى أخي أو إلى أي مخلوق إذا لم تتخل عني، عندما تقرر أن تتخلى اقتلني، حياتي دونك بلا معنى، اقتلني قبل أن تقرر تركي! فأنا امرأة لا فائدة مني، لا أحد سيحاسبك، إن شئت سنتفق على طريقة الموت، فأنا حريصة أن لا يطالبك أحد بدمي.
-أنت تهذين يا هلا، ما زلت شابة، أين شجاعتكِ؟ لماذا تطلبين الموت بدل أن تبدئي حياة جديدة؟ الموت يا عزيزتي بعيد عنك بعد السماء عن الأرض.
-الموت رحمة لإنسانة مثلي، أتمناه في كل لحظة. لا شيء بلا نهاية، لا شيء يستمر إلى الأبد، هذه نهايتي، إنني احتضر.
كلماتُكِ تؤلمه. يتشاور مع فرات فيما يجب عمله. إنك تحتضرين بحق وتحملين كفنك. صرت ذكرى لماض مؤلم، ماض ملوث فُرض عليك، ولا يد لك في صنعه. الذكريات تقتلك، تملكين حضورك في كل الأوقات، ها أنت تتألمين، تسعلين، دائمة الشكوى والأرق، يمزقك عذاب داخلي، جسدك لا يحس بالحياة والحرارة بل بالبرد والألم، كل شيء إلى زوال. تساءل حول قدرتك على تجاوز آلامك. أقررت بضعفك مع أنك ارتحت من اثنين، من مغتصبك ومن زوجك. يفترض أن تكوني قوية، بعد أن باتا ضعيفين. طلقك مصطفى وكان الأجدى بك أن تطلقيه، لو كانت العصمة بيدك، احمدي ربك على حريتك، فيوم واحد في شوارع دمشق أفضل من عمر بين أربعة جدران في بيت كله عفونة.
عشت وحيدة، لم تنسي الجرح الذي نزّ صديدًا. غريبةٌ أنت، فهل هناك غربة أكبر من غربتك في بيتك ومدينتك؟ أكدتِ على ذلك غير مرة بقولك:
-ما أتعس أن يولد الإنسان بلا حقوق في اللحظة التي يرى فيها النور. أخبرتني أمي أن والدي كشر عندما عرف أن المولود أنثى. أسماني هلالة لأحمل النور والحب، لن أنسى ذلك، مع أنه ربما بنظره غير ذلك، أنا فخورة أن يختزل اسمي هذه المعاني الرائعة، خاصة عندما يكون القمر في أشد حالاته عشقًا للضوء.
سالت دموع فرات وهي تسمعها، حامد رجاك أن يبلغ أخاك رفضت وقلت: