-لا يا حامد لا أريد أن يراني بأضعف موقف مرّ عليّ في حياتي، سيسألك عن مرضي، عن زواجي وطلاقي، لا أريد أن أفجعه بأخته التي أحبها ومنحها كل ثقة.
تصرخين، تهذين، تعصبين رأسك وأحيانًا تضربينه بالحائط علّ الوجع الخارجي يخفف من الألم العصبي الباطني. لكن ما أردته لم يتحقق، بل ازدادت حالتكِ سوءًا، ترتجفين من البرد والرطوبة، تتغير ملامح وجهك وقسماته، تبدين أكثر قساوة، تضعين رأسك بين يديك وتبكين.
ترفضين الذهاب إلى الطبيب. ما زلت تذكرين موقف الطبيب النسائي، الذي بدأ يشرح أشياء لا تريدين سماعها. لم تؤكدي أو تنفي أنك أجهضت سابقًا، اعتبرت أن حياتك الزوجية انتهت. التزمت الصمت، تركت زوجك مع الطبيب، وعدت وحيدة إلى بيت فرات بانتظار أن تجد لك سكنًا مستقلًا.
ــ 37 ــ
بدت السماء صحراء تتقاذفها كتل متصارعة، تحاول التخلص من نزيفها، تجد ذاتها أسيرة المزن، تضج المجرات بالتصفيق. اقتحمت الريح المحملة بالرطوبة الفضاء، بوادر أكيدة لتغيير الطقس، دفعات قوية من الريح جمعت الغمام فوق دمشق. بدا أن المطر سيهطل بين لحظة وأخرى. سحابات فضفاضة تلمع أنوارها في السماء، بروق تخطف الأبصار ورعود تدوي كمدافع العيد. غادر حامد وفرات بيت هلا على أمل عودتهما عصرًا، لحظات من الترقب تلاها انهمار مطر غزير. ازدادت البروق والرعود. عادت الأحلام إلى ذاكرتها. ما أشبه اليوم بالأمس. قرأت من دفتر صغير فيه بضع وريقات عن مذكرات والدها عن ليلة ميلادها الشبيهة بهذا الجو:
"في ليلة عاصفة ماطرة، لكثرة برقها ورعدها ظنت زوجتي أن القيامة حدثت، ومما زاد الأمر سوءًا الصواعق المدمرة التي أحرقت إحداها شجرة الخروب المعمرة القابعة على مقربة من بيتنا. في تلك الليلة ظن سكان الجولان أن السماء ستنطبق على الأرض، فارتفاع أرضها وانخفاض السحب ينبئ بذلك. خمنت أن ذلك نتيجة غزل بين النجوم، خفت من سقوط نجم أو شهاب، فعدت ولم أكمل مشواري إلى بيت القابلة، توقعت حتى في حال وصولي أنها لن تحضر، لن تغامر وتجيء بمثل هذا الجو. تهتز جدران البيت متواترة مع التماعات البروق المتتالية. تصيح زوجتي طالبة القابلة. وأنا كلما توكلت ووضعت قدميّ على عتبة البيت أحس أن شيئا ًمن السماء سيسقط عليّ!"