الكواكب تتصارع وليس لديّ القوة لإيقاف صراعها. الأرض تميد، ما هذه الليلة؟ وما هذا المطر المنسكب؟ أهو دموع سكان كواكب ومجرات أخرى؟ أهو فرح أم شؤم؟ ظللت أخرج من بيتي لا أبتعد كثيرًا، ثم أعود إليه، هكذا أمضيت ليلتي أحوم حول زوجتي التي ستلد بين لحظة وأخرى. قبيل الفجر نادتني لأساعدها في الولادة. كزت على أسنانها وشدت على يدي، أطلقت صرخة تلتها صرخة المولودة. حمدت الله أن الليلة مضت على خير ولم تجرفنا السيول والعواصف، أو تطبق علينا السماء. كفت السماء عن المطر في تلك اللحظة، وتوقفت الرياح عن الهبوب، أشرقت الشمس وبدا كل شيء مبتهجًا. ودّت لو تزغرد، جاراتها زغردن، سألنني عن الاسم الذي أختاره فأجبت:"هلالة."
صباحًا ذهبت إلى المختار وأنا أحمل بيدي الحلوى وليرة سورية، أخذت وثيقة ولادة باسم هلالة بنت زكي جودة، من يومها توقعت أن الدنيا ستبتسم لنا!""
تتذكر والدها، تتألم، تتناسى واقعها، لابد من استمرار الحياة. ذات صباح أحست بصوت ناعم يناديها ويختصر الحرفين الأخيرين، كان هذا صوت فرات التي استعذبت أن تناديها «هلا» . وقفت مبهورة، ابتسمت لصديقتها التي تفاجئها بكل جديد ورائع. من يومها لا أحد يعرفها إلا بهذا الاسم، فرحت للذكريات المستعادة. ما أحزنها زواجها غير متكافئ، وردة تقترن بشوكة، لم يتركها إلا جثة، نهضت من قبرها تنشر فرحها وكلماتها في الغرفة والشارع. نسيت حديث الموت الذي جاءها وهي غافية، تسلل على هيئة كهل يرتدي ثيابًا بيضاء، اقترب منها ليستل روحها، تمسكت بيده وعضتها. الموت شيء فظيع يتلبسها، لا يقبل المهادنة، لا يفهم أية لغة ولا يسمع الأنين والشكوى، ولا ينطلق إلى حيث يجب أن يذهب. تهذي وتنادي حامدًا؛ تطالبه بدفنها وقراءة الفاتحة، ثم تتابع حلمها، تفتح عينها وتخاطب عزرائيل:"أعرف أنه لا يرضيك أن تموت فتاة بعمر الورد ويبقى مغتصبها يتنفس الهواء ويمارس الدعارة، يستنشق هواء دمشق الأثير على قلبي."
تستغفر ربها، تفيق من نومها، لا ترى من المدينة إلا رموزها وأبشع ما فيها علها تشفي غلها. الكلاب تنبح والمجاري تصب في بردى وزفير السيارات يغطي السماء. يرى الناس عري المدينة، لا تغريهم الحياة فيها، قاسيون بلغ الشيخوخة، هرم بسرعة مع أنه ترك العمل السياسي. أين قوته التي استمدها من انتسابه إلى أجداده؟