فهرس الكتاب

الصفحة 1122 من 1574

انشرحت أساريرها لافتراضاتها. حلقت في الجو كالطيور المهاجرة التي تكتشف تبدلات الطقس. ازدادت كمية الأمطار المنهمرة. مشت المياه في الشوارع، مع ازديادها ارتفعت وغطت الرصيف ومنه إلى قبو البناية، سمعت أصوات بقبقة البلاليع تلاها توقف المصافي التي تؤدي إلى التمديدات الخارجية، ثم ارتفاع الماء في الغرفتين والمطبخ. رفعت حصيرة البلاستيك والبساط اليدوي المعمول من بقايا الألبسة، وكل ما كان على الأرض وقعدت على السرير. هل هذه نهايتها أن تدفن بين القطرات؟ تخلصت من هواجسها. تراقب الماء الذي يرتفع ولا يفصل بينه وبين حديد السرير سوى سنتمترات، فكرت أن ترفع أرجل السرير، قد لا تستطيع وحدها أن تفعل ذلك. فجأة أحست بقوة تغزو جسدها، وشيء ما في داخلها يدفعها أن تتحرك. جاءت بعلب فارغة ووضعتها تحت الأرجل، لكن ما إن قعدت عليه، حتى عاد إلى وضعه السابق، انثقبت العلب. المياه تكاد تلامس الفرشة أو هي لامستها. هل تنضح الماء؟ عدلت عن ذلك فالكمية المتسربة أكثر بكثير مما ستمتحه، هل تصرخ أو تتمدد على السرير وتدع المياه تغمرها وتكون نهايتها؟ لن تستسلم حتى لو ثقبت الحائط الملاصق للمنور. شعرت أن روحها غالية، وأن الحياة جميلة، لن تختار الموت بإرادتها؛ بل ستجاهد من أجل الحياة. نسيت ماضيها وآلامها وضعفها، لابد من فعل معجزة، تناولت مدقة الثوم بيدها وابتسمت، إنها أقوى من الموت، بدأت تدق الجدار دقات قوية لكنها غير مؤثرة. في هذا الوقت سمعت صوت اختناق في المصافي، كأن شخصًا ما فقد تنفسه. نظرت حولها، وقعت المدقة من يدها، تجمدت مكانها ولم تعد قادرة على الحركة. ارتفع صوت كالصراخ عاليًا. صرخت ووضعت يديها على عينيها، شعرت بشيء يتحرك. فتحت عينيها، فإذا المياه التي ارتفعت إلى الأعلى يهبط مستواها وتركض باتجاه البالوعة، بينما تتصاعد الفقاقيع، وما هي إلا دقيقة أو أكثر حتى تدفقت المياه. زغردت في عبها، حمدت الله وشكرته، شطفت الغرفتين ونظفتهما، أشعلت الحمام لتستحم. الحبال في الخارج تتراقص، القطرات تشكل دوائرها في البرك، نشفت يديها ودستهما في صدرها، شعرت بالدفء والحيوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت