كم كانت متعلقة بالحياة. ما أشبهها بيوم كانت صبية في الثانوي. وردة عاكست الريح، أثبتت أنها قادرة على العطاء. الأعاصير لم ترحمها، من يصدق أن فتاة كانت تتمنى الموت، رفضته في آخر لحظة. ها هي تضع رأسها على الوسادة تبكي، تريد أن تتخلص من دموعها وأحزانها، لا وقت إلا للفرح، بللت جزءًا من اللحاف بدموعها الغزيرة، إذ تتحول الدمعة إلى ساقية، تنشر اللحاف وتجففه. الشمس تهرب بعيدًا عن القبو، الرطوبة تعشش في أطرافه وتؤدي إلى آلام في المفاصل وأوجاع في الرأس، الآلام تخترق الجمجمة وتتركز في أعلى الجبهة وجهة الصدغين، وأحيانًا ينتقل الألم على شكل ومضات إلى مؤخرة الرأس. جاهدت لتتخلص من هذه الحالة، الأدوية غير مفيدة، البكاء والأدعية لم يفلحا، الأوجاع تزداد وفي لحظة تنزف نقاطًا حمراء من أنفها، فتشعر بالارتياح وتنام.
أين فرات وحامد لتزف لهما فرحة انتصارها على ضعفها وخنوعها، هل تقعد وتنتظرهما؟ لن تدع الفرحة إلى الغد، في الصباح عليها أن تخرج وتبدأ يومها. الليلة سيسهران عندها. ستذهب وتحضر ما يلزمها من السوق الآن، ما دامت قد انتصرت وطحنت همومها وذرتها مع الرياح والغمام. حتى بيتها اغتسل واستحم بمياه المطر. عاد قلبها ينبض، وعادت إليها المدينة رائعة.
ذهبت إلى سوق الهال، تفاجأت بالأسعار، كل شيء ارتفع سعره، اشترت ما أرادت من خضار وفواكه ولحمة، اتجهت إلى العمارة وأخذت كيلو موالح وبعض المرطبات. حامد وفرات في عالم آخر، يتساءلان عما يفعلانه في حالة وفاتها، متأكدان أنها لن تعيش طويلًا، وربما نهايتها على يد الأمطار والريح، قبل هطول المطر بربع ساعة غادرا بيتها. تمنت لو كانا موجودين ليفرحا لفرحها. ترى أين يكونان؟ هل تذهب إلى بيت فرات لتفاجئها وتحدثها عن المطر الذي روى أغصانها وأوراقها وجذعها. تبتسم مثل كل الفتيات اللواتي بسنها، عليها أن تنسى، أن لا تفكر بشيء قبل أن تحضر ما تحتاجه ثم تعود إلى البيت. إنها جادة في أن تبدأ حياة جديدة، تعود إلى التدريس وإلى رفاقها وتستلم المهام الصعبة. ستدعوهما إلى بيتها لتناول الطعام، ليكونا الشاهدين على بداية مرحلة جديدة، ستزور بيت أخيها، ولن تقبل أي زوج يتقدم لها. لفت في مكانها، وضعت بعض المساحيق على وجهها، فتحت المذياع، تفتح ذراعيها وترقص، المطر في الخارج والدفء في صدرها وأضلاعها، قوة غريبة تدفعها إلى الحياة ثانية بشكل جديد.